مركز تحميل ود القلوب 
 عدد الضغطات  : 1274
D - 24/12/2008 
 عدد الضغطات  : 1437
مسابقة 
 عدد الضغطات  : 11


 
العودة   منتديات ود القلوب > :: الاقسام الادبيه :: > :: القصص والحكايات ::
 
 

:: القصص والحكايات :: قصص عربية , قصص أطفال , قصص غراميه , قصه قصيره , قصه طويله , روايات , قصص الانبياء , قصص واقعية , قصص من نسج الخيال , قصص موروثة , حكايات عربيه , قصص طريفه , قصص السيرة , قصص الأغبياء , والكثير

الإهداءات
سفانه 2009 من من قلبي : الستاذنكم يااحلي منتدي لقائي فيكم بعد اسبوع ان شالله لي رجعة معاكم يااحلي منتدي:ماادري وشلون اصبر باي بـــــــــــــــــاي εïз [حـلمے © ْ~ من حلقة الغنمات خخخ : يلا من صاحب الغنمه الثامنه يشرف يجيبها الحلقه هههههههه لاتتاخروا ابي المتسابق الاخير مين حيكون صباحووو العسلووو ع الجميع سيف الملوك من مسائكم خير : الكلاسيكو السعودي المستوى 10 على 10 والنتجية صفر / صفر (( كل هذا من أجل أن يبقى دوري المحترفين السعودي شعلة حتى النهاية )) أتمنى من الاعضاء تحليل المبارة حسب نظرية كل عضو ღ تح ـدوٍگ يآقلبيـﮯ ღ من مسآآء الونآسهـ وخلآيآآ النح ــل *_^ : كيفكون ..؟ شو عاملين ..؟ إن شاء الله مناح ..؟ >>> صحيت على اصوآت الوانيتآت وش السالفهـ كلن محمل خرفآآن ومتجهـ جنوب المنتدى خخخخخخخ لايكون مسوين خروف المليون ينفع اشاركـ بنمولتي << اخر ما بقالي يلآآ الحين بحطها بالوانيت واجيبها zanzoun من قلبي : مساء الخير للجميع ازيكم ؟انا قدمت خاروفين عليهم القيمة وشكرا لك حلم واتمنى اني افوز ولو مرة واحدة بس please please يلا تصبحون على خير εïз [حـلمے © ْ~ من من قلبي الستانس : يلا ياحلوووين شاركوني مسابقة اجمل خروف يلا نبي نفلها ع الآااااخر يلا لا تتأخروا علي وه بس احوبكم حيل سيف الملوك من مسائكم أيام حلوووة : الذهب لا يعرف الا قلعة الذهب هلالي يعصف بالعالمي فرح وبطولة جديدة حزن وندم وتفريط ولسى نحن بالبداية الى متى يارئيس النصر لمسـ برآءهـ ــة من الـخ ـــبر : مسآء الخير عالكل الصيآد المحترف ألف ألف مبرروك الزواج الله يهنيك ويجعل أيامك كلها افراح سيف الملوك يبارك بعمرك وإن شاء الله نستغل الاجازة صح محودة هذا واجبنا لدآر زآيد •• محد شراتي •• من دآر زآيــــــد : مٍسـآكم خير و سرور اشكــر كل من باركـ لشعبنا بيوم الاتحـآد و ربي يحفظك لكم بلادكم ما تقصـرون اقدر لكم مشاعركم الحلوة الششششارددد من ديار حاتم : الف مبروك للشيوخ وشعب الامارات الحبيبة بمناسبة عيد الاستقلال 37 والله يعم الفرح على الامارت الرائعة والشعب الراقي رنيم المشاعر من كل الحب : الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد εïз [حـلمے © ْ~ من قلبي الفرحااان : صباحكم عسل صيادوو يادووبا منور بجد الف مليون مبارك العرس تحيه محمله بأجمل الورد لنودي وهموس ومحوده ومهاجره وزينه ومرمر ونسوم وطيورتي ولموس سيف الملوك من مسائكم خير : نبارك لكم الاجازة وأنشاء الله نستغلها في ماهو مفيد ونافع خصوصآ أننا في أيام عظيمة دفء المشاعر من قلب دفء : ولكم عبوووووووووووودي ألف مبرووووووك الزواج والله لك وحشه نور المنتدى برجوعك الصياد المحترف من مشتااااااق لأحبااااابي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيف الحال جميعا ان شاء الله انكم بخير وفي صحة جيده باااااااااااااااااااااااااااااك من جديد بعد غياب طويل بسبب الزواج عقبال الجميع تحيااتي للجميع سيف الملوك من مسائكم خير وأيامكم غير : تهنئة من القلب الى الشعب الاماراتي الشقيق بمناسبة اليوم الوطني ودائمآ أيامكم أفراح وسعادة لمسـ برآءهـ ــة من المملكـة الع ـربية السع ـودية : تهنئـة خ ـآصة من قلبي لشعب زآيـد مبروكـ عليكم اليوم الوطني والله يجعل أيامكم كلها أعيآد محودهـ ياليتني معاكم على شآن أحتفل خ ـآطري أتونس طيور الشوق من قلبي : إلى شعب دولة الإمارات العربية المتحدة بمناسبة العيد الوطني الـــ 37 أعاده الله على دولة الإمارات حكومة وشعبا بالبركة والخير والازدهار وكل عام وأنتم بخيـــــــــــــــــــــــــــــر ... •• محد شراتي •• من الإمــآرآت : عمـر1 مشـــكور ع المِـشــآعر الطيـــبه و تسلم يميــنكـ ع التهنـــئه ما تقصــر عمر 1 من " دنيا التهاني " : تهنئة صادقة للأمارات شيخة الخليج فى استقلالها الوطني المجيد ولشعبها الراقي الشقيق كل تقدم وازدهار ونمو تستاهل كل خير الامارات

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-09-06, 09:23 PM   #1
 
الكــــاتب
:: قلب نشيط ::
 

بيانات :- يوسف احمد
 
 
تبرع يوسف احمد
 
يوسف احمد is on a distinguished road
افتراضي الباحث عن المجد ( الرواية كاملة علي فصول ) يوسف احمد

--------------------------------------------------------------------------------

الباحث عن المجد


رواية


الفصل الأول

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]

يوسف احمد/ السودان










((1))
في تلك الليلة دوت الصواعق في السماء وتلألأ البرق ثم بدأت الأمطار في الهطول، وفي حي الناظر بمدينة القضارف يقيم عمر خالد حيث مولده ومسقط رأسه... نظر عمر من خلال باب الغطية يلقى نظرة إلى السماء والأمطار تتساقط منها حيث كانت الأمطار تتساقط بغزارة دون توقف... وفي هذه الأثناء سمع دوي في مكان ما فشعر باضطراب فعاد إلى داخل القطية يلتمس الأمن والسكينة.. وبينما كان مستلقياً علي فراشه سمع أناس يتصايحون فهرع إلي باب البيت أملاً في أن يتبين حقيقة الأمر.. فإذا به يعرف أن الصوت الذي دوى منذ لحظات كان لصاعقة وقد تسببت في إشعال النار في إحدى القطاطى بأحد البيوت المجاورة.. فأخذ عمر مظلته وهرع إلي مكان الحريق.. ليلقى نظرة علي النار وهى تشتعل في القطية.. وهناك رأى القطية المشتعلة والناس يتسابقون من كل الفيافي والأصقاع من أجل إطفاء النار المشتعلة، فأكتفي عمر بالنظر، وبعد فترة تمكن الناس من إطفاء النارـ والتي لم تؤذى أحد ـ دون كبير عناء، وكان خالد والد عمر من بين الذين قاموا بإطفاء النار، فعندما عاد وجد عمر في طريقه إلي البيت فأستوقفه قائلا :
- كنت وين ؟
- في الحريقة .
- مشيت تعمل شنو؟.
لم يرد عمر علي أسئلة والده الملتهبة والتي تنذر بشيء من الوعيد.. ظل عمر صامتاً ووالده ينظر إليه في غضب.. وما هي إلا لحظات حتى وصل الأب وابنه إلي البيت وكانت الأمطار لا تزال تفرض سطوتها علي سماء المدينة.. وفي داخل القطية جلس خالد علي أحد الأسرة وطلب من عمر أن يجلس قبالته علي أحد المقاعد، وقال في غضب مصطنع:
- شوف دي آخر مرة أشوفك برّة والمطرة شغالة.. حتى لو في حريقة.. سمعت..
لم ينبس عمر ببنت شفة ولم يأتي بأي حركة وكأنه تمثال لأحد الأقزام.. كان عمر في الثامنة من عمره، أكمل فقط قبل أسبوع عامه الدراسي الثاني بتفوق ملحوظ إذ تمكن من إحراز الترتيب الأول علي الفصل.. استقلي خالد علي السرير وقال بصوت ينم عن البؤس:
- أمشى شوف أمك عملت شنو.
- كويس.
أسرع عمر نحو المطبخ فإذا به يجد والدته قد أوشكت علي الانتهاء من إعداد الطعام فقال:
- أمي العشاء شنو؟
- رز بي لبن.
- قرّب؟
- قرّب.
- أبوي جا.
- متين؟
- قبل شوية.
كان خالد من مطاطي الخمر بل ومن الذين يسرفون في ذلك.. أما اليوم فقد حالت الأمطار دون تعاطيه الكؤوس مع زملائه.. فبعد أن أعد خالد وأصدقائه لهذه الجلسة سقطت الأمطار وتبع ذلك دوي الصاعقة والحريق في البيت المجاور فهرعوا لنجدة أهل البيت وبعد الفراغ من إطفاء النار دب الخوف في قلب صاحب البيت الذي يحوي جلسة الخمر معتقدا أن ذلك غضب إلهي نتيجة لما يقومون به من عمل مخالف للدين فنقل خواطره إلي أصدقائه، فما كان إلا أن انتقلت عدوى الخوف إلى قلوب أصدقائه ففضوا الجلسة..جلس خالد مع أسرته علي مائدة العشاء مما أثار عجب أفراد أسرته والذين اعتادوا أن ينتظروا عودته في منتصف الليل ، لا يفارق الخوف قلوبهم آملين أن لا تنالهم يد الضرب وكلمات الزجر والتنكيل..فقد كان يأتي خالد إلى البيت يترنح فيثير الجلبة في أنحاء البيت، ويبطش بمن يبطش ويترك من يترك وبعد ذلك يركن إلى نوم عميق لا توقظه منه إلا أشعة الشمس المحرقة.
ولعمر أختان وكلتاهما في المرحلة الابتدائية، وكانتا غالباًَ ما تتخطاهم يد البطش والسب في ذلك أن عمر كان ينال نصيب الأسد من هذا البطش المتواصل.. لم يجد عمر تفسيراً لذلك ولا حتى أمه آمنة لأن السبب شديد التعقيد وقد حدث منذ زمن بعيد.. إما الآن فلن تستطيع يد التأمل والبحث أن تدركه مهما فعلت.. لنجد أن السبب؛ هو أن والد خالد ويدعى عمر كان يشرب الخمر بشراسة عمياء وكان عندما يعود إلى البيت يفعل الأفاعيل بأهل بيته، وكان أكثر من تناله يد البطش هو خالد.. فورث خالد عادة شرب الخمر ولاسيما هذه العادة الزميمة وهى البطش.
إلا أن عمر كان هذه المرة مختلفاًَ تماماً عن والده فقد شب منذ صغره مهتماَ بدروسه متفوقاًَ بين أقرانه يساعده علي ذلك ذكائه الملحوظ واهتمام والدته به.. فقد كانت تقف مراراً في وجه خالد وهو يحاول النيل منه بسبب أو بدون سبب.
كان خالد يملك عدداً من الأفدنة صالحة للزراعة ولكنه كان لا يقوم بزراعتها بل يؤجرها ويأتي أول كل شهر لتحصيل قيمة الإيجار والتي لم تكن تكفى منصرفات الأسرة تماماًَ مما يجعل هذه الأسرة تعيش ظروفاً صعبة جداً في الأيام الأخيرة من الشهر.. والسبب أن قيمة الإيجار لم تكمن كبيرة وأن خالد يقوم بأنفاق جزء من هذا الإيجار وراء شرب الخمر.. آه من الخمر ذلك المشروب القاتل والذي لولاه لعاشت هذه الأسرة في سعادة تحسد عليها.

و البقية تأتي .

 

 








يوسف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 21-09-06, 09:26 PM   #2
 
الكــــاتب
:: قلب نشيط ::
 

بيانات :- يوسف احمد
 
 
تبرع يوسف احمد
 
يوسف احمد is on a distinguished road
افتراضي

--------------------------------------------------------------------------------

الباحث عن المجد

رواية

الفصل الثاني

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]

يوسف أحمد/ السودان

















((2))
تدور عجلة الزمان عاماً كاملا والحال كما هو ولكن دوام الحال من المحال.. عمر يكمل عامه الدراسي الثالث وتقترب أختاه من إنهاء المرحلة الابتدائية .. الظروف المعيشية تزداد سوءا.. وشبح الغلاء المعيشي يرفع صوته ليلهب ظهور محدودي الدخل .. آمنة تحاول إفهام زوجها حقيقة الأمر، ولكن لا حياة لمن تنادى .
وفي يوم ما استيقظ خالد من نومه متأخراً كعادته ليجد آمنة قد أعدت الإفطار، فغسل وجهه ثم جلس لتناول الإفطار وعندما فرغ من تناول طعامه جلست آمنة قبالته وقالت بصوت يحمل نبرات البؤس:
- يا حاج والله الحالة بقت صعبة.
- أعمل شنو؟
- أشتغل.
أطلق خالد ضحكة خالية تماماً من المرح لم تشاركه فيها آمنة، ثم قال:
- يا ولية قولي الحمد لله، في غيرك ما لاقين وبعد ده بيحمدوا الله .. الحمد لله علي كل حال.
- يا حاج عمر مرآت قاعد يمشى المدرسة بدون قروش فطور.
- الولد لازم يتعلم الصبر.
- الولد لسه صغير.
- ده عمره تسعة سنوات.
- برضو رحمة وأمل مرات قاعدين يمشو المدرسة من غير قروش.
- يا ولية الحاصل شنو.. متين الواطا أصبحت.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. مرة غير النكد ما عندها حاجة.
صمت خالد لفترة وآمنة زوجته مطرقة إلى الأرض ترتسم علي وجهها كل علامات الحزن .. ثم أردف قائلا:
- خلاص حأمشى لحاج أحمد الليلة برضو وأضغط عليه عشان يزيد الإيجار.
- كل مرة بتمشى وبترجع بدون فايدة.
- لا إن شاء الله الليلة ارجع منصور.
- نشوف.. لكن إذا جيت المرّة دي بدون فائدة حأتصرّف.
- حتعملى شنو؟
- حتشوف.
كانت آمنة في تلك الأيام تقوم بالبحث عن عمل ولكن مساعيها لم تكلل بالنجاح حتى الآن في الحصول علي عمل ليكون بمثابة العصا السحرية التي تخرج هذه الأسرة التعسة من دائرة العوز والحاجة إلى بر آمن يكفل لها العيش في رغد بعض الشيء.. ولكنها لم تفقد الأمل فكانت تتردد علي بعض صديقاتها ومعارفها لهذا الغرض.. وهناك من لم يفيدها وهناك من وعدها بأنه إذا وجد فرصة عمل فسوف يخبرها في الحال.
تمكن خالد من إقناع حاج أحمد بتزويد الإيجار قليلا ولكن الزيادة لم تتعدى عشر القيمة الايجارية لذلك لم تبالي آمنة بهذا التحول الطفيف لذا ظل أملها في إيجاد عمل قائم.. وكاد اليأس أن يعصف بآمنة إلا أن الأمل مد أزرعته ليمزق خيوط اليأس التي التفت أو كادت تلتف حول آمنة، لتتمكن من إيجاد عمل بأحد الفنادق ونوع العمل "منظمة" وبراتب يسد القليل من منصرفات البيت.. كان أمل آمنة أن تعمل طباخة لخبرتها الشديدة في هذا المجال ولكن لم يزعفها الحظ في إيجاد هذا النوع من العمل.
كان وقع الخبر علي رأس خالد كالصاعقة .. تظاهر بالقبول وكتم مشاعره المعارضة حتى يتحين الفرصة المناسبة لإبرازها.. وقبل مرور ثلاثة أيام من إيجاد فرصة العمل باشرت آمنة عملها بالفندق، فكانت تستيقظ في الصباح الباكر مع أبنائها.. ليتجهوا هم إلي مدارسهم وتتجه هي إلي عملها بالفندق.
لم يطب هذا الحال لخالد والذي كان يستيقظ من نومه متأخرا ليجد البيت خاوياً يسكنه البؤس.. ليغسل وجهه ثم يتجه إلى المطبخ ليعد طعامه ثم يعد نفسه للخروج.. قاصداً بعض أصدقائه والذين يعملون بالسوق فيقضى لدي هذا برهة ولدي ذلك برهة ثم يعود عند المغيب إلي البيت وكأنه قادم من عمل ليتناول طعامه ثم يغادر في السابعة مساءاً قاصدا بين أصدقائه حيث التسامر وشرب الخمر ونسيان هموم الدنيا حسب ما تصور لهم عقولهم المريضة ليأتي في منتصف الليل يترنح، ينطق بكلمات يفهم بعضها ويصعب فهم الأخرى، ثم ينفذ برنامجه اليومي الممل من بطش وخلافه ثم ليخلد إلي النوم.
أستمر هذا الوضع علي ما هو عليه بضع أشهر ليقترب عمر من إنهاء الصف الرابع وتقترب أختاه من إنهاء المرحلة الابتدائية.. والأم تواصل كفاحها مؤدية رسالتها علي أكمل وجه أما الأب فكأنه يعيش في عالم آخر تنعدم فيه ضغوط الحياة.
وبينما كان خالد في جولته اليومية متفقداً أصدقائه الذين يعملون في السوق مر بمجلس يأخذ موقعه بجوار أحد المحلات وكان لصاحبه، فجلس يتجاذب معهم أطراف الحديث.. فتناولوا موضوعات شتى ليستقروا في موضوع التوفيق بين العمل بالسوق والزراعة لولئك الذين يقومون بهذين العملين معاً.. فوجد خالد أنه خاوي الوفاض من المشاركة في هذا الموضوع والذي استغرق وقتاً طويلاً...فهمس أحدهم بعبارة جارحة كان يقصد منها أن يوقع خالد في الحرج انتقاما منه.. لأنه كان ضحية ثورة من ثورات خالد في ليلة من ليالي السمر فانتهز الفرصة لكي يثأر لتلك الليلة.. فقال في صوت خافت ينم عن المكر:
- الحمد لله أنا بشتغل في السوق بس.. أخير من غيري.. أصلو في ناس لا شغل في السوق ولا زراعة.
أحس خالد أن العبارة موجهة إليه مباشرة فوقف لحظتها وقال:
- بتقصد شنو يا جابر؟
فرد جابر بكبرياء مصطنع:
- ما قلت خالد.
- لا قلت خالد.
- يا لطيف.
وقال بعض الحاضرين:
- يا جماعة أستهدو بالله .. الحاصل شنو..
- الأيام بينا يا جابر.
- يا زول لا أيام ولا شهور.
وزاد النقاش حدة ليتحول الخلاف إلى مشاجرة دموية .. فتناول خالد أحد المقاعد وضرب به جابر .. ولم يستطع من بالمجلس من تدارك الموقف إلا بعد أن أصيب جابر إصابة بالغة..وذهب جابر إلي قسم الشرطة رافعاً شكواه يتبعه بعض أصدقائه.. أما خالد فقد جلس مكانه في انتظار ما ستسفر عنه الأمور.. وما هي إلا أن وصل الشرطي إلي مكان المشاجرة حتى أخذ يسأل عن خالد ليجده دون كبير عناء فأقتاده إلى قسم الشرطة.. وهناك تم الاستماع إلي أقوال الشهود؛ فكان بعضهم يشهد لصالح خالد والبعض الآخر لصالح جابر.. مما جعل ضابط الشرطة يقع في الحيرة فوقف بين الحاضر خاطباً:
- يا جماعة الكلام ده ما صاح أنتو ناس كبار... يعنى ده لو كان من أولاد صغار كان معليش .. لكن أنتو رجال كبار.. فأنا قدامى حلين.. إما التحويل للنيابة.. أو البلاغ ينسحب وعفا الله عما سلف...
فقال حاج عبد اللطيف الذي كان ضمن الحضور ويكبرهم سناً:
- أنا عندي اقتراح يا سيادة الضابط.
- قول.
- جابر يتنازل عن البلاغ وخالد يتحمل نفقة علاج جابر.. قلت شنو يا جابر.
أخذ جابر يقلب النظر هنا وهناك بين الحاضرين فقرأ علامات التأييد علي وجوه بعضهم فانصاع لهذا القرار الأخير..انتهي هذا اليوم علي خير.. فعندما حاول خالد التكفل بمنصرفات علاج جابر، رفض الأخير.. فتعانقا وسط مجموعة من معارفهما وأصدقائهما في ليلة نفس اليوم أمام منزل جابر.. وكل منهما يقدم العذر للآخر.. فكان هذا سبباً في العلاقة القوية التي ربطت بينهما فيما بعد.
إلا أن هذه المشكلة والطريقة التي انتهت بها جعلت خالد يقف مع نفسه وقفة طويلة.. ليطوف بخياله في أيامه الماضية فوجد الأخطاء والذنوب تفحم ماضيه.. فشعر بتأنين الضمير حتى أنه تخلف عن الذهاب إلى مجلس السمر ولم يكتف بذلك بل عاد إلى البيت قبل الوقت الذي كان يعود فيه وهو مخمور، مما أثار عجب أفراد أسرته إلا انه اختلى بنفسه ولم يحدّث أحداً.. والعبارة الجارحة التي سمعها في المجلس تتردد علي أذنه... وكأنها تلقى علي مسامعه كل دقيقة ، بل كل ثانية... فشعر بأنه ضائع في هذا العالم الفسيح... بأنه لا شئ .. بأنه مهزوم.. بأن زوجته تفوقه مروءة.
وفي تلك الثناء وبعد أن تبينت آمنة أنه غير مخمور أرسلت له أمل كي تدعوه لتناول وجبة العشاء فقالت:
- أبوي العشاء.
- ما عايز.
لم تجرؤ أمل علي التعقيب فعادت إلي أمها تحمل الرد برمته دون إضافة أو إنقاص .. هذا اليوم أتسم بالهدوء الشديد حيث لا جلبة أو بطش ولكن الصمت يغرض سطوته علي المكان ، إلا أن الهدوء لم يدم طويلاً إذ قطعته رياح هبت لتوها مشبعة برائحة الحشيش الجاف ورائحة الأرض المتعطشة .. وأستنشق الجميع عبق الدعاش فشعروا بالانتعاش .. فقالت آمنة:
- دمى مطرة سبط في حتة قريبة.
فقال عمر متسائلاً:
- وين ؟
- ما بعيد.
إلا أن رائحة الدعاش لم تجرؤ علي قطع الخلوة التي كان يعيش فيها خالد.

و البقية تأتي .

و القية تأتي .

 

 








يوسف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 21-09-06, 09:32 PM   #3
 
الكــــاتب
:: قلب نشيط ::
 

بيانات :- يوسف احمد
 
 
تبرع يوسف احمد
 
يوسف احمد is on a distinguished road
افتراضي

الباحث عن المجد

رواية

الفصل الثالث

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]

يوسف أحمد / السودان










((3))
أخيراً ذهبت موجة تأنين الضمير التي مرت بخالد ليعود إلي مجالس السمر وتعود الأسرة الحزينة إلي القلق والبطش..أقترب العام الدراسي من نهايته فجلس عمر وأختيه للامتحانات.. وتمر الأيام علي ما يرام.. ليخرج الكل ظافراً منها إلا أن عمر كان الأكثر تفوقاً.. الأم سعيدة بتفوق أبناءها وما زاد سعادتها أنها أصبحت مشرفة علي المنظفات في الفندق فذاد راتبها قليلاً فتحسنت حالت البيت المادية بعض الشيء .. إلا أن موجة السعادة والنجاح لم تشمل معها خالد والذي يتمزق هذه الأيام بين تأنيب الضمير والتعطش إلي الخمر ومجالسها... فكان تارة يختلي بنفسه شأنه شأن الدرويش الذي يعيش في جو روحاني بعد أن زهد الدنيا ومتاعها وتارة يسعى إلي مجالس الخمر وكأن روحاًَ شيطانية قد سكنته.. وأسرته في حيرة بين هذا و ذاك... فحين يركن إلى خلوته؛ يعم الهدوء أرجاء البيت وتسكن الطمأنينة قلوب أفراد أسرته.. أما حين يعود إلي البيت مخموراً؛ يطرد القلق الطمأنينة التي خلقتها الخلوة... فتسبح الأسرة في بحر من الأحزان حتى ينام خالد.. و في يوم من الأيام وبينما كان خالد يقوم بتجواله المعتاد في السوق مرّ بمحل جابر فوجده جالساًَ أمامه فألقى عليه السلام:
- وعليكم السلام.
- كيف الحال؟
- بخير الحمد لله.
- بشرّ.
- والله ما في جديد.
- والله يا جابر أنا عايزك في خدمة.
- أتفضل قول.
- تعرف أنا يا جابر ما عندي في الزراعة فعايز أجرب التجارة.. رأيك شنو؟..
- ما بطال.
- لكن بس ما عندي رأس مال..فعايزك تدعمني.. وإن شاء الله أول بأول أسدد ليك.
- والله يا خالد ما عندي سيولة.. اليومين دي شوية الحالة واقفة.. لكن ممكن أديك بضاعة.. تبيع وتسدد لي.. رأيك شنو؟..
- تمام.
- شفت من بكرة تعمل ليك طبلية وتشوف ليك مكان كويس.. وبعد كده تبدأ.
- والله عاجز عن شكرك.
- وأنا عملت شنو.. دي حاجة بسيطة.
وبينما كان خالد يجزل الشكر لجابر تقديراً لخدمته له مرّ بهم حاج عبداللطيف وأخذ مكانه بينهما بعد أن سلم عليهما، وعرف من خلال نقاشهما أن خالد في حاجة إلي طبلية كي يبدأ بها العمل في السوق.. فقال بصوته المبحوح الخافت وكأنه يكلم نفسه:
- أنا عندي طبلية لكن قديمة شوية.. فعايذة ليها شوية تصليح.
فرد عليه جابر:
- ما مشكلة.
شعر خالد بسعادة بالغة فابتسم وقال:
- شكراً يا حاج عبداللطيف.
- على شنو يا خالد.
- إن شاء الله التجارة تمشى معاى.
فرد عليه جابر:
- أنت ومجهودك والرزق علي الله.
- طيب ما كان تجرب الزراعة.
- والله يا حاج عبداللطيف الزراعة دي حاولت فيها قبل كده.. لكن ما نجحت فيها.
- وحتشتغل في شنو؟.
- جابر حيدّينى كمية أحزية.. وربنا يسهل.
وقبل مرور ثلاثة أيام من عقد هذه الصفقة بدأ خالد عمله بالسوق .. فكانت بداية موفقة نوعاً ما.. ليعود في نهاية هذا اليوم بربح لا بأس به.. يحمل البشرى لزوجته بهذه الخطوة الموفقة.. وآملاً أن تترك زوجته العمل بالفندق..وعندما وصل إلى البيت وجد آمنة مشغولة بصنع الطعام... فأخذ يقلب نظره بين أنحاء البيت فلم يجد أثر لأبنائه فقال لزوجته:
- الأولاد مشو وين؟..
- عند عمتهم.
- من متين؟
- من العصر.
- تعالى أنا عايزك في موضوع.
وفي داخل القطية جلس خالد علي أحد الأسرة، لتلحق به آمنة بعد فترة فجلست منه غير بعيد ثم قالت:
- إن شاء الله خير.
- خير... طبعا أنتي كنت بتقولي لي أشتغل.. وهسع اشتغلت.. رأيك شنو؟..
- تمام.
- والحمل الكنتى شايلاه خلاص أنا حأشيله.
- تقصد شنو؟!.
- تسيبي الشغل.
- كيف أسيب الشغل؟
- دي مشكلة يعنى.
- أنا هسع مسئولة من المنظفات وراتبي كل فترة بيزيد.. أقوم أسيب الشغل.
- يعنى أنا اشتعل وأنتي تشتغلي.. أصلو عايزين نعمل شنو..
- السترة..
- أنا بقدر عليها.
- يا خالد أنا ما بقدر أسيب الشغل.
- ده كلام شنو.
- زى ما سمعت.
خرج خالد ترتسم علي وجهه علامات الغضب قاصداًَ مجلسه المعتاد بغيته السلوى الشيطانية كي تنسيه واقعه المظلم... وهناك في مجلس السمر وبعد أن شرب خالد حتى الثمالة أخذ يخرج ما في جوفه من هموم فأخذ يقول:
- قلت للمرة سيبي الشغل.. قالت لي ما بسيبو .. يعنى أنا أعمل شنو...
فأخذ من بالمجلس يطلقون الضحكات وكأن خالد يقص عليهم بعض النكات... وفي منتصف الليل عاد خالد يترنح إلي بيته ليجد الكل قد نام.. فأتجه إلى المطبخ بحثاً عن طعام... وشعرت آمنة بالضجة التي يحدثها خالد بالمطبخ ولكنها لم تقم لمساعدته خشية أن يفاتحها في موضوع العمل فواصلت نومها.
تمكن خالد من تحقيق بعض الأرباح في عمله الجديد... فعقد العزم مع نفسه علي أن يثنى زوجته عما تقوم به من عمل... وهناك سبب آخر وراء هذه الغاية وهو أنه يريد أن يخرس الألسنة التي أخذت تتحدث عن كفاح زوجته وكسله.. فلم يفقد خالد الأمل في إيقاف زوجته عن العمل فكان يحاول إقناعها سواء أكان مخموراً أو في كامل وعيه.. إلا أن آمنة لم تكن واثقة من أنه قادراً علي تحمل المسئولية لذا لم تنذل إلى رغبته أبداًَ.. وفي إحدى المرات عاد خالد إلى البيت في منتصف الليل.. يترنح.. تفوح منه رائحة الخمر كأنه جيفة مكثت فترة في العراء.. ليجد آمنة تشغل نفسها ببعض الأشياء داخل القطية... دلف خالد إلي القطية وجلس علي أحد أسرتها وأخذ يتابع بنظره ما تقوم به آمنة من عمل، وبعد هنيهة قال :
- لسه مصرّه تشتغلي؟
لم ترد آمنة علي سؤال زوجها فالتمعت عيناه وقال في غضب:
- ما بتسمعي؟.. أنا بكلم نفسي؟..
- عايز شنو؟..
- تسيبي الشغل.
- ده ما وقته.
- لا وقته.
- بكرة نتكلم في الموضوع ده.
- والليلة في شنو؟.
- ما في شئ.. لكن أنت جاي تعبان...
وقبل أن تكمل آمنة حديثها قال:
- أنتي قايلة أنا سكران.
- أنا ما قلت كده.
- لا قلتى.
- ما قلت.
- ده الوقت المناسب.. المشكلة دي لو ما اتحلت الليلة ما بتتحل تانى .. أنا ما عايزك تشتغلي.. أنا البشتغل.
- أنا كمان قادرة أشتغل.
- ده لو أنا كنت ما في، لكن أنا موجود.
- ما فيها حاجة لو ساعدنا بعض.
- لا فيها حاجة.
- خلاص نوم وبكرة يحلها ألف حلال.
- يا ولية أنا بقول ليك نحل المشكلة .. تقولي لي بكرة .
- أنا ما بسيب الشغل.
أثارت هذه الكلمات الأخيرة غضب خالد فنهض ودنا من زوجته والتي كانت جالسة في السرير المقابل وقال :
- تسيبي الشغل.
- ما بقدر .
فلطمها علي وجهها .. ولم تأتى آمنة بأي حركة فقط قالت :
- حسب الله ونعم الوكيل.
جعلت هذه العبارة خالد يجن جنونه فأخذ يضربها بلا رحمة وهي تقول:
- حرام عليك .. حرام عليك...
لم يكتف خالد بذلك بل أخذ عصاه والتي كانت تحت سريره.. وعندما رأت آمنة تهيئة لضربها أسرعت نحو باب البيت ومنه إلى بيت مريم أخت خالد والذي كان علي مقربة من بيت زوجها.. وفى القطية المجاورة تابع عمر وأختيه ما حدث لأمهم ولكنهم اكتفوا بالاستماع..وعندما وصلت آمنة إلى بيت مريم والتي استقبلتها بكل قلق عندما رأت الدموع علي وجهها .. فقالت لها في لهفة:
- خير إن شاء الله.
- من وين يجى الخير بس.
- الحصل شنو؟.
- خالد!.
- مالو؟!.
- ضربني.
- قولي بسم الله وأحكي لي الحصل شنو.
- جاء راجع البيت سكران.. قام قال لي سيبي الشغل.. قمت قلت ليه ما بقدر.. قام ضربني.
وبينما كانت آمنة تقص علي مريم جانب مما تعيشه من مأساة وهي تجهش بالبكاء جاء حافظ زوج مريم من عمله فألقى السلام وجلس وأستمع إلى القصة كاملة... وحافظ رجل تقي وكان يحاول مراراً ثنى خالد عن هذا الطريق المظلم ولكنه لم يستطع فعل شئ... فحاول تلطيف الجو هذه المرة... فقال في هدوء:
- والله مشكلة حلها صعب.. لكن يا آمنة عندي اقتراح ؟
- شنو؟
- فيها شنو لو سبتي الشغل واديتيهو فرصة... ممكن يكون جادى.
فقالت آمنة بصوت متهدج:
- يا حافظ القروش البكسبها في الصباح بصرفها بالليل.. تقول لي أسيب الشغل.
- والله ما عارف أقول ليك شنو.
- يا جماعة المشكلة دي حلها موجود .. أنا مع خالد ما بقدر أعيش .. عشان كده لازم يطلقني.
فقالت مريم في دهشة :
- ده كلام شنو!.
- ذي ما سمعتي.
فقال حافظ في جد:
- يا آمنة أنتي لازم تضحي عشان أولادك .
و قالت مريم:
- أولادك يا آمنة!.
- والله بيت أبوي في مدني كبير.. فالعايز يجي معاى من أولادي يجى طوالى..
ظنت مريم أن آمنة في حالة غضب والأفضل أن تخلد إلى النوم وفي الصباح ربما يكون لها رأي آخر ... فقالت مريم بصوت حنون:
- بكرة يحلها ألف حلال .. عشان كده أنتي هسع نومي وما تشغلي بالك.
نهض حافظ بعد أن وعى مقصد زوجته فحاول تعزيز ما تفعله زوجته فقال:
- الله كريم .. إن شاء الله المشكلة دي تنحل.
وفي الصباح استيقظت آمنة قبل الجميع ..وجلست تفكر في ما حدث بالبارحة والقرار الذي اتخذته .. ترتسم علي وجهها علامات الحزن..وما هي إلا لحظات حتى استقيظ الجميع.. وبعد فترة جلسوا جميعاً يشربون الشاي... وبينما كان الصمت يفرض سطوته علي المكان ، قالت آمنة لحافظ:
- أنا عايزة منك طلب.
- جداً.
- تمشى تقول لخالد أنو أنا ما بقدر أعيش معاهو تانى ، عشان كده لازم يطلقني.
كان وقع هذه الكلمات علي رأسي حافظ ومريم كالصاعقة .. وحاولت مريم أن تثنى آمنة فقالت بصوتها الحنون:
- راجعي نفسك يا آمنة الكلام ده ما ساهل.
- يا جماعة ده كلامي الأخير.
لم يستطع كل من حافظ أو مريم أن يثنيا آمنة عما عزمت عليه .. ونقل حافظ هذه العبارة كاملة إلى خالد في بيته.. فلم يفاجأ.. ظاناً أنها محاولة تهديد من آمنة، الغرض منها أن يرضخ إلى رغبتها.. فقال في هزل:
- وقالت شنو تانى؟..
- الطلاق بس.
- وأنتو قلتو ليها شنو؟
- أتكلمنة معاها.. لكن مصرّة.
- خلاص أنا حاجيها بعدين.
وعاد حافظ إلى بيته.. فحكى ما دار بينه وبين خالد علي مسامع مريم وآمنة.. وفي المساء حضر خالد إلي بيت حافظ لمقابلة زوجته والتحدث إليها ولم يكن مخموراً.. وجلس الجميع بصدد حل المشكلة .. خالد .. مريم .. حافظ وآمنة.. وقال حافظ بهدوئه المعتاد:
- الرسول صلي الله عليه وسلم قال : ( أن أبغض الحلال عند الله الطلاق ) ..فعشان كده يا جماعه لازم تضحوا.. ما عشان زول غريب.. عشان أولادكم.
عم الصمت المكان برهة ليقطعه خالد قائلاً :
- يا جماعة أنا كلامي واضح.. أنا راجل البيت .. وأنا البشتغل.
- أنا ما بقدر أسيب الشغل.. وده أصلا ما الموضوع يا خالد.. الموضوع أنى ما بقدر أعيش معاك بعد كده.. عشان كده طلقنى.
- ظهر الغضب علي وجه خالد وأخذت تهتز يده من الغضب.. فقال كالذي يحاول أن يكظم غيظه:
- ده آخر كلام عندك؟..
- آخر كلام.
- أنتي طلقانة.
وبعد أن تفوه خالد بهذه الكلمة عم الصمت المكان ليقطعه خالد.. فأردف قائلا:
- عايزة تسافري مدني سافري.. عايزة تقعدي في البيت أقعدي.. لكن الأولاد لازم يقعدوا هنا.
ثم نهض وخرج دون أن يقول شيئاً.. عم الصمت المكان وكأنهم أصيبوا بالجمود.. لم تستطع آمنة تفسير حقيقة الشعور الذي تعيشه الآن.. هل هو فرح أو حزن.. أم خليط بين هذا وذاك.. أما حافظ فتمنى لو أسرع وراء خالد كي يثنيه عما فعل كما تمنى أن يخفف من أحزان آمنة ببعض الكلمات ولكنه تمزق بين هذا وذاك.. أما مريم فوضعت يدها علي خدها وأطرقت رأسها إلى الأرض لا تجد ما تقوله.
علي العموم مر اليوم حزيناً هكذا.. وفي الصباح الباكر استيقظت آمنة وأخذت تفكر.. فأستقر بها التفكير بأن تبرح القضارف عصر هذا اليوم... وبينما كانت آمنة تجول بخيالها في عالم الذكريات جاءت مريم تحمل كوبين من الشاي وجلست بجوارها وقالت بصوتها الحنون:
- قدر الله ما شاء فعل.. أنا أبداً ما بلومك .
- لكن أولادي.
وفى هذه الأثناء أخذت آمنة تبكى وتنتحب.. فنظرت مريم لها في رثاء وقالت بصوتها الحنون:
- شد حيلك.
وبعد برهة طلبت مريم من آمنة أن تشرب الشاي.. وبينما كانت آمنة تقوم باحتساء الشاي قالت بصوت متهدج:
- أنا عايزه منك طلب.
- اطلبي.
- تجيبي لي أولادي أسلم عليهم عشان أنا عايزه أسافر الليلة.
- الليلة !.. ليه بس.
ولم ترد آمنة إلا بالبكاء، ثم أردفت مريم قائلة:
- مدني قريبة .. سأفري بكرة أو بعده.
- الليلة بس.
وحتى هذه اللحظة لم يحط الأبناء علماً بما حدث.. والذين كانوا يطوقون شوقاً لعودة أمهم.. وبينما كانت مريم تحاول أقناع آمنة بالبقاء عدة أيام... جاء عمر إلي بيت عمته يحزوه الأمل بأن تعود معه أمه.. ولكن سرعان ما تبدد هذا الأمل والي الأبد.. فعندما رأى عمر الدموع علي عيني أمه أخذ يسأل ويسترسل في السؤال حتى علم حقيقة الأمر...فظل صامتاً لفترة طويلة ينتابه أحساس بأن ما حدث لا يعدو إلا أن يكون حلماً مزعجاً.. ولكن أمه أخذت تحتضنه تارة وتمطره بالقبلات طوراً أخرى فصدق ما قيل له.
وبعد فترة من تبادل نظرات الحزن.. طلبت آمنة من مريم أن تذهب هي وعمر إلى بيت خالد كي يحضرا أمل ورحمة وبعض الأشياء الخاصة بها وهى حقيبة الملابس وأشياء أخرى ونقود كانت تحتفظ بها في خزانة الملابس.. وهناك لم تقل مريم لأمل ورحمة شئ عن الموضوع.. كما أن عمر ظل صاماً.. وخالد يغوص في نوم عميق، كأن شيئاً لم يحدث.. وسرعان ما بدأت مريم في إعداد حقيبة السفر.. وفي هذه الأثناء أخذ عمر يفكر .. وقال في نفسه:
- بيحصل شنو لو سافرت مع أمي.. والله فكرة.
وفي هدوء وبينما كانت مريم تعد حقيبة السفر .. أخذ عمر يغير ملابسه .. فأرتدى أجمل ما لديه من ثياب ووضع بعض الملابس الخفيفة خلسة في حقيبة أمه دون أن يتنبه من بالقطية لما يفعل .. فمريم مشغولة بوضع الملابس في الحقيبة وأمل ورحمة تمطرانها بالأسئلة المتواصلة وهى لا تجيب... وأخيرا وبعد أن فرغت من إعداد الحقيبة للسفر وقفت قبالتهما وقالت بصوتها الحنون وفي هدوء:
- أمكم مسافرة مدني تقعد يومين لحدي ما خالد أعصابه تهدأ شوية وبعد داك ترجع.. فهي عايزة تشوفكم قبل ما تسافر.
كانت الإجابة وافية تماماً.. وبينما كانت آمنة تنتظر عودة أبناءها بصحبة مريم.. فُتح الباب لتدخل مريم يتبعها كل من أمل ورحمة وعمر وهو يحمل الحقيبة.. إلتف الأبناء حول أمهم، فلم تستطع الأم الحزينة مقاومة الدموع.. والتي أخذت تتساقط بغزارة.. فشعرت كل من أمل ورحمة بأن هذه الدموع تخفى وراءها أشياء كثيرة ولكنهما أكتفتا بالصمت.. أما عمر فقد خطط بأن يصحب أمه في رحلتها إلى مدني..ومرت اللحظات مسرعة ودنت ساعة الرحيل.. وودعت الأم الحزينة بنتيها وداع المسافر بلا عودة.. أما عمر فقد أصرّ على أن يصحب أمه إلي محطة البصات.. وقسمت الأم ما لديها من نقود مناصفة بين أبناءها .. غادرت آمنة ومريم إلى المحطة يتبعهما عمر يحزوه الأمل بأن توافق أمه على سفره معها.. وهناك في المحطة ودعت آمنة مريم وداعاً استُخدمت فيه لغة الدموع.. أما عمر فرفض توديع أمه وأخذ يبكى وطلب منها أن تأخذه معها.. فحاولت ثنيه عن ذلك ولكن دون جدوى.. فقالت آمنة لمريم بصوت متهدج لا يكاد يسمع:
- قولي حاجة يا مريم.
فحاولت مريم إقناع عمر بالعودة إلي البيت ولكن المحاولة باءت بالفشل.. فحاولت شده إليها ولكنه أمسك بثوب أمه بكل ما لديه من قوة.. وقالت آمنة لعمر:
- يا عمر أبوك ما بيقبل.
- يا أمي بمشي أقعد معاك أسبوع واحد بس وبرجع.

فقالت مريم:
- قلت شنو يا آمنة؟
- إلا كده.
وركبت آمنة وأبنها بص السفر تتبعهما نظرات مريم.. وجلسا في مقاعد المقدمة التي بجوار السايق ولوحا لمريم مودعين وكذلك فعلت هي .. وما هي إلا لحظات وقد بدأ البص في التحرك والكل لا يكف عن التلويح .. وأخذ البص يسرع.. ويطوى المسافات.. لتعود مريم أدراجها أما آمنة فقد شعرت بأن صفحة قد طويت في سجل حياتها.. إلا أن عمر أكثر حيرة، فهو يأمل بأن لا يعود إلى القضارف بعد الآن.

و البقية تـأتي .

 

 








يوسف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 21-09-06, 09:36 PM   #4
 
الكــــاتب
:: قلب نشيط ::
 

بيانات :- يوسف احمد
 
 
تبرع يوسف احمد
 
يوسف احمد is on a distinguished road
افتراضي

الباحث عن المجد

رواية

الفصل الرابع


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]


يوسف أحمد / السودان








((4))
وقبل غروب الشمس بدقائق وصلت آمنة إلي بيت أبيها بحي الدباغة ومعها أبنها.. فأستقبلها أخيها عبد الرحيم بشيء من الترحاب .. وسلم علي عمر.. وطلب منهما الجلوس ريثما يحضر القليل من الماء.. وما هي إلا لحظات وقد أحضر عبد الرحيم الماء وقدمه لهما، وفتح جهاز التلفاز وجلس منهما غير بعيد.. لم يكن عبد الرحيم يعرف شيئاً عن الموضوع.. ولم يخطر علي باله شيئاً مما حدث.. وبينما كان الصمت يفرض سطوته علي المكان.. طلبت آمنة من عبد الرحيم أن تكلمه علي انفراد ، فدخلا أحدى الغرف، بينما ظل عمر جالساً يتابع ما يعرض التلفاز من برامج.. وفي الغرفة قال عبد الرحيم في هدوء:
- خير إن شاء الله.
لم تقل آمنة شيئاً بل ظلت صامتة لفترة وهنا أخذ القلق يداعب صدر عبدالرحيم فعاود التساؤل:
- في شنو يا آمنة؟
- خالد طلقني.
- كده من غير سبب؟
- أنا طلبت منه كده.
- وليه طلبتي منه كده؟
- قبل كم شهر اشتغلت في فندق.
- أشتغلتي شنو؟
- منظفة.
- منظفة!.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
- أعمل شنو.. براك عارف ظروفنا.
- وبعد كده الحصل شنو؟
- في البداية خالد ما عارضني .. لكن بعد كم شهر من بداية شغلي قال لي أقعدي في البيت.. فرفضت أقعد في البيت.. قام قال لي إذا كان الشغل هو المشكلة أن بشتغل .. فقام أشتغل.
- أشتغل؟.
- أشتغل.
- أشتغل شنو؟
- عمل ليهو طبلية في السوق.
- ببيع شنو؟
- أحذية.
- كويس .. طيب سبب الخلاف شنو؟
- قال لي لازم تقعدي في البيت.
- كان تقعدي.
- كيف أقعد وهو القروش البكسبها بيسكر بيها كلها.. أسأل عمر هسع، قول ليهو أنحنا قبل شغلي في الفندق حالتنا كانت كيف.
- والأولاد.
- قال يقعدوا معاهو.
- وعمر.
- عمتو جاية بعد كم يوم تاخدو.
- قدر الله ما شاء فعل.. أنسى الحصل ده.. وإن شاء الله ربنا حيعوضك.
وفي اليوم التالي أستيقظ عمر في الصباح الباكر.. وأخذ يتجول في جنبات البيت الذي يتسم بفنائه الفسيح الملئ بالأشجار.. فتارة تجده يتسلق هذه وتارة تجده يقفز من تلك .. وبعد أن فرغت آمنة من صنع الشاي، أخذت تبحث عنه هنا وهناك فوجدته جالس في قصن من أقصان تلك الأشجار.. فقالت له وهى تضحك:
- تعال أشرب الشاي.
- جاى .
- تعال .. تعال.
- والله جاى.
وبينما كانت آمنة وأبنها عمر يحتسيان الشاي رأى عمر الصور المنثورة علي الحوائط في صالة البيت.. وأخذ يسأل أمه عن أصحابها.. فأخذت الأم تعدد لمن هذه الصورة ولمن تلك .. فمن بين هذه الصور صورة لوالد آمنة ويدعى أحمد والذي توفى منذ زمن بعيد ، منذ أن كانت آمنة في طفولتها ومن بين الصور أيضا صورة تجمع آمنة مع أختيها سامية وإقبال .. وهناك صورة تعد الأصغر من بين الصور تجمع آمنة وأمها زينب والتي توفيت منذ سبع سنوات.. كما أن هناك صورة تعد الأكبر حجماً.. تجمع الأسرة كلها؛ الأب يحمل آمنة وإقبال والأم تحمل عبدالرحيم وسامية.. وتعيش إقبال مع زوجها في ليبيا والذي يعمل مدرساً بأحد المدارس الثانوية.. وتعيش سامية مع زوجها في مدينة الحصاحيصا والذي يعمل بمصنع للغزل والنسيج.. وفي عصر هذا اليوم ، وبينما كان عمر يجلس في أحد الأقطان رأي على الفسحة الواسعة التي تنبسط أمام البيت؛ أولاداً في مثل سنه ومعهم كرة قدم يحاولون تسلية أنفسهم باللعب بها.. وسرعان ما أندفع عمر ناحية الفسحة طالباً من الأولاد أن يسمحوا له باللعب معهم.. فلم يمانعوا في ذلك.. وما إن علم أهل آمنة وصديقاتها بمجيئها إلي مدني حتى تقاطروا على البيت ليسلموا عليها.
وهناك في القضارف أخذ خالد يلح علي مريم بأن تسارع بالسفر إلى مدني كي تأتى بعمر.. وهنا عمر يتمنى أن تتأخر عمته حتى يستمتع بالأيام التي سيقضيها في مدني.. فقد تمكن من تكوين صداقات فأصبح يشعر بأن الحياة هنا أجمل، فخطرت له فكرة.. وهى أن يطلب من أمه أن تلح علي مريم عندما تأتى بأن تتركه يقضى فترة الإجازة كلها.. فرحبت آمنة بالفكرة عندما سمعتها من عمر.. وطلبت من عبدالرحيم عندما جاء من عمله أن يساعدها في إقناع مريم عندما تأتى .. ولكن عبدالرحيم لم يرحب بالفكرة وتعلل بأن ذلك ربما يجعل خالد يرفض مجيء رحمة وأمل إلى مدني من أجل الزيارة.. لم يسمع عمر هذا النقاش الذي دار بين أمه وخاله لأنه كان في الفسحة المقابلة للبيت يسلى نفسه باللعب بالكرة مع أصدقائه.. ولو تناها إلى مسامعه شئ كهذا لغير رأيه في البقاء.. ومنذ تلك اللحظة أخذ عبدالرحيم يغير معاملته مع عمر.. وظهر هذا جلياً عندما رأى عبدالرحيم عمر مع بعض أصدقائه وهم يتجولون في السوق الشعبي .. فأخذ ينادى:
- عمر .. عمر.
فوقف عمر وأخذ يلتفت هنا وهناك فإذا به يجد عبدالرحيم يقف على بعد خطوات منه.. ترتسم علي وجهه علامات الغضب .. فأسرع عمر نحوه، فقال الخال الغاضب:
- جيت السوق تعمل شنو؟.
- أتفرج مع أصحابي.
- في الحر دى .. هسع دى ترجع البيت، وما تطلع تانى ذي الوقت ده.. سمعت؟.
- سمعت.
سمع أصدقاء عمر ما دار بينه وبين خاله .. فلم يعقب واحداً منهم بكلمة.. بل عادوا معه إلي الحي الذي يسكنون به.. وجلسوا تحت شجرة قائمة في طرف من أطراف الفسحة الكبيرة.. وأخذوا يتجاذبون أطراف الحديث.. وأخذ عمر يحدثهم عن مدينة القضارف وعن أمطارها الغزيرة.. وهم يتابعون حديثه في شغف شديد.
مرّ اليوم جميلاً مع عمر عدا تلك اللهجة الجافة التي قابله بها خاله عندما وجده مع أصدقائه في السوق الشعبي .. جعل هذا الموقف عمر يسترجع جانب من المعاناة التي كان يلقاها من والده بمدينة القضارف.. عندما كان مستلقياً علي سريره وهو شاخصاً تجاه السماء.. فتمنى أن لا يتكرر شئ مثل هذا في الأيام المقبلة.. وبعد عدة أيام جاءت مريم كي تأخذ عمر إلى مدينة القضارف.. فأستقبلها عمر بوجه عابس... أما آمنة فأخذت تلح عليها بأن تعطيها أخبار بناتها أمل ورحمة، فقالت مريم بصوتها الحنون:
- مشتاقين ليك شديد.
- وصحتهم كيف؟.
- بخير .. طبعاً خالد قال ليهم الحقيقة.
- مصيرهم يعرفوا.
والتفتت مريم تجاه عمر والذي كان قلبه يخفق بشدة.. فقالت وهى مبتسمة:
- أبوك وإخوانك وأصحابك كلهم بيسألوا عليك.
لم يؤثر شيء مما قالت في دواخل عمر، ونظر إلى أمه .. كأنه يريد أن يقول لها شيئاً.. ففهمت علي الفور .. وقالت:
- عمر داير يقعد كم يوم تانى.
- تانى !؟
فضحكت آمنة وكذلك ضحك عمر.. لترد مريم علي ضحكيهما بصوتها الحنون قائلة:
- لكن خالد ما بيوافق.
فرد عمر مستجدياً:
- عليك الله يا عمتي .. أقعد هنا باقي الإجازة.
- لو على أنا ما في مشكلة.. لكن أبوك..
وقبل أن تكمل حديثها قال لها:
- لو أقنعتيه ما بيذعل.
- لكن ..
فقاطعتها آمنة قائلة:
- الولد حيموت يا آمنة.
فضحكت مريم وقالت بصوتها الحنون:
- خلاص.
وفرح عمر وأخذ يقفز هنا وهناك وهو فرح.. مما أثار سعادة أمه وعمته.. فالتمع وجهيهما بالابتسامة ..لم تمكث مريم طويلاً ففي صبيحة اليوم التالي سافرت عائدة إلى القضارف.. وهناك في القضارف غضب خالد عندما رأى مريم قد أتت بدون عمر.. فقال بصوت ينم عن الغضب:
- طبعا آمنة مفكرة تخليه معاها.
- لا والله .. بس الولد قال داير يقعد مع أمه كم يوم.
- نشوف.
وفى مدني وعندما أتى عبدالرحيم إلى البيت في ساعة متأخرة من الليل .. استقبلته آمنة بوجهها البشوش وقالت له:
- أحضّر ليك العشاء؟.
- كويس .. مريم سافرت؟.
- سافرت.
- ساقت معاها عمر؟.
- لا .. قلت ليها خليه يقعد كم يوم تانى.
- لكن .. ممكن خالد ما يقبل.
لم ترد آمنة على عبدالرحيم إذ شغلت نفسها بإعداد العشاء.. أثار بقاء عمر في البيت غضب عبدالرحيم، إلا أنه لم يظهر شئ مما يجول بصوره لأخته آمنة.. وفى صبيحة اليوم التالي أخذ عمر يمرح بين الأشجار.. سعيد بأنه تمكن من أقناع عمته في البقاء حتى آخر الإجازة.. فتمنى أن تأتى الأيام المقبلة وهى تحمل السعادة والهناء.. وصمت فجأة عندما جال طيف والده في سماء خياله .. وهو مخمور، يترنح في فناء البيت، وهو يحاول أن يبطش به، إلا أن أمه وقفت لوالده بالمرصاد.. ظل عمر لفترة طويلة يسبح في دنيا الخيال.. لتعيده أمه إلى شاطئ الواقع.. طالبة منه أن يأتى لتناول وجبة الإفطار، فلم يرد عليها فقط تحرك في صمت.. تناول عمر إفطاره في شهية زائدة والأم لا تقطع النظر إليه.
وفى عصر هذا اليوم جاء عبدالرحيم من عمله بالسوق ليجد عمر يجلس على أحد أقصان شجرة الجوافة ـ والتي تأخذ مكانها في أحد أركان البيت ـ وهو يأكل بعض ثمارها.. فغضب غضباً شديداً، ووقف تحت الشجرة التي يجلس على أحد أغصانها عمر وصاح:
- أنزل يا عمر .
- كويس.
نزل عمر في سرعة البرق وهو يحمل في يده بعض ثمار الجوافة.. فقال الخال الغاضب:
- يا أبني الجوافة لسه ما استوت.. عشان كده خليها تستوي .. بعد كده أعمل الأنت عايزه.
- حاضر.
ثم أمطره بنظرة حادة أشبه بتلك النظرات التي كان يمطرها به والده في القضارف.. أثار هذا الموقف حزن عمر وشعر أن المسافة أخذت تبعد بينه وبين خاله.. لكنه لم يجد تفسيراً لهذا التغيير في المعاملة من جانب خاله.. ولكن الحنان الذي كانت تغمره فيه أمه وقف حائلاً دون إحساسه بالقهر سواء من جانب والده أو من جانب خاله.
جلس عمر تحت الشجرة .. وتمنى لو أن مريم لم تسمح له بالبقاء وأخذته معها إلى القضارف حتى لا يرى ما رأى من غضب خاله ونظراته القاتلة.. وبينما كان جالس يندب حظه المشئوم.. سمع أصدقائه وهم يستعدون للعب بالكرة.. فهرول لهم مسرعاً.. ملقياً بكل همه ومشاكله خلف ظهره.. عزم عمر على أن لا يلعب فوق الأشجار أو حتى بجوارها بعد الآن.. وفكر في وسيلة أخرى يسلى بها نفسه ويقتل بها وقت الفراغ.. ففكر في صناعة عربة صغيرة من العلب الفارقة.. وقد كان يجيد صناعة مثل هذه العربات الصغيرة.. إذ كان يسلى بها نفسه بعض الأوقات عندما كان في القضارف.. فأخذ يجمع بعض العُلب الفارقة من أجل هذا الغرض.. وما هي إلا ساعات حتى كانت العربة جاهزة للعب.. فربطها من المقدمة بخيط طويل وأخذ يجرها في فناء البيت.. وعندما علم أصدقائه ببراعته في صناعة مثل هذه العربات أخذوا يلحون عليه بأن يصنع لكل واحد منهم واحدة مثلها فوافق على الفور لكن أشترط أن يكون ذلك مقابل سعر زهيد.. فلم يمانعوا في ذلك .. وما هي إلا أيام حتى تمكن من جمع بعض المال.. ولم يكتفي عمر بذلك بل ذهب في يوماً ما مع أحد أصدقائه ويدعى عبدالله إلى السوق لبيع بعض من هذه العربات الصغيرة.. لم يوفق عمر تماما هذه المرة ولكنه تعرف على أحد الأولاد.. الذين يقومون ببيع الأكياس في السوق.. ووعده الولد بأنه سوف يحضر إليه في البيت لشراء عدداً لا بأس به من هذه العربات الصغيرة.. فوصف عمر البيت للولد وأخذ منه ميعاداً للحضور إلى البيت.. وبينما كان عمر وصديقه عبدالله في طريقيهما إلى الحي الذي يقيمان به .. لمحهما عبد الرحيم وهما يسيران وفي يديهما العربات الصغيرة .. فأستنتج قصديهما.. ولم يعترض طريقيهما.. وفي البيت أخبر عمر أمه بمشروعه والأرباح التي ينوى تحقيقها فسعدت لذلك كل السعادة.. إلا أن عبدالرحيم كان له رأى آخر.. فعندما جاء إلى البيت ووجد عمر تحت الشجرة وهو يقوم بصنع إحدى العربات الصغيرة.. دنا منه وقال في غضب:
- أنا قلت ليك شنو؟
أدرك عمر أن عبدالرحيم لمحه وهو يتجول في السوق.. فأطرق برأسه إلى الأرض ولم يقل شيئاً.. وأردف عبدالرحيم قائلا:
- يا ولد أنا بتكلم معاك.. مشيت السوق تعمل شنو؟.
فأجاب عمر بصوت خافت:
- أبيع العربات.
- عشان شنو؟
وغرق عمر في بحر من الصمت .. وبينما كان عمر غارقاً في صمته ضربه عبدالرحيم علي وجهه حتى سال الدم من أنفه.. ولكن عمر لم يبكى ولم تدمع له عين.. بل رمق عبدالرحيم بنظرة حادة أثارت الرعب في قلبه.. ولم يستطع عبدالرحيم تحمل تلك النظرة الحادة فذهب دون أن يقول شيئاً.. وبعد أن غسل عمر الدماء التي سالت من أنفه جلس بجوار عرباته الصغيرة، يشعر أنه سوف يغرق في بحر من الأحزان.. فهناك في القضارف والده .. يتفنن في تأديبه بين الفينة والفينة.. أرتكب خطأ أم لم يرتكب.. وهنا خاله منذ أيام قليلة فقط قد تقمصه شبح والده، فأخذ يعامله بنفس الطريقة.. وفجأة قال في نفسه:
- هناك في القضارف كانت أمي بتحمينى من أبوي .. طيب هسع لو رجعت القضارف منو البيحمينى .. فقال بصوت مسموع:
- لازم يكون في حل.
ثم عاد وقال في نفسه:
- طيب لو قعدت هنا.. عبدالرحيم ما حيسيبنى في حالي .. أعمل شنو؟.. أعمل شنو؟..
وجاء الولد الذي وعد عمر بأن يشترى منه بعض العربات في الموعد الذي حدده، ليجد عمر قد جهز له ما يريد.. ودرت هذه الصفقة على عمر مبلغاً لا بأس به جعله يشعر بالسعادة.. وقويت العلاقة بينه وبين هذا الولد.. الذي أخذ يتردد على عمر بين حين وآخر طالباً أما عربة أو عربتان.. وفى إحدى المرات جاء هذا الولد والذي يدعى حسن إلى عمر، ليجده مشغول بصناعة إحدى العربات.. فجلس بجواره وأخذ ينظر إليه في شغف شديد.. وبينما كان عمر منهمك في عمله فاجأه حسن بسؤال قائلاً:
- أنت يا عمر عندكم بيت وعندك أهل ومرتاح.. عايز أعرف بتشتغل عشان شنو؟
أثار هذا السؤال الحيرة في داخل عمر.. فنظر إلى حسن وقال له:
- طيب أنت ما عندك بيت وأهل.
- لا عندي بيت ولا أهل.
- والله؟!
- والله.
- وعايش وين؟.
- في السوق.
- وأهلك وين؟
- أبوي مات زمان.. وأمي أتزوجت ليها راجل صعب.. كان بيشاكلنى طوالى.. لحد ما سبت البيت.
أصيب عمر بالذهول بعد أن سمع ما قاله له حسن.. فقد كان يظن دائما بأنه الوحيد.. الوحيد الشقي في هذا العالم.. ولم يكن يعلم بأن هناك من هم أكثر منه شقاءاً.. من هم أكثر منه تعاسة.. من هم لا يتذوقون طعم الحياة.. بالرغم من أنهم يعدون بشراً.. ويدبون علي هذه الأرض.. فحاول عمر أن يرى حياة حسن في خياله إلا أن خياله لم يتسع لذلك .. فنظر لحسن نظرة عطف ولسان حاله يقول:
- أنا فعلا قاعد في بيت وعندي أهل.. لكن ما في فرق كبير بيني وبينك.
وبعد أن أنتهي عمر من لحظة التأمل هذه عاد ليكمل ما بدأه من عمل.. وما هي إلا لحظات حتى كانت العربة جاهزة.. فأخذها حسن وقدم ثمنها لعمر.. فقال عمر:
- المرّة دي ما عايز قروش.
- ليه؟
- مرّة تانية.
- يا عمر أنا بمشي ببيع العربية وبكسب .. يعنى القروش دى بتعاتك.
- مرّة تاينة.
- تاني أنا ما بجيك.
- ليه بس.
- أنا ما بحب آخد من زول حاجة ساى.
- يعنى مصرّ؟
- مصرّ.
فأخذ عمر ثمن العربة شاكراً صديقه.. وقال له:
- طيب لو عايزك ألقاك وين؟
- لو سألت أي واحد بتاع أكياس في السوق حيجيبك لي طوالى.
- طيب ما تعقد شوية.
- بجيك بعد كم يوم.. طيب مع السلامة.
- الله يسلمك.
لقد أصبح عمر في حيرة من أمره بعد ما سمع من حديث صديقه حسن.. وغرق في دوامة من التفكير المتواصل.. وطلاتمط الأسئلة في رأسه – والتي لا يجد أجوبة لبعضها- فأسند ظهره على جزع الشجرة وأطلق آهة طويلة.. وقال في نفسه:
- فاضل شهر والإجازة تنتهي .. وأرجع للعذاب تاني.. أمي زمان كانت بتحمينى من أبوي.. هسع البيحمينى منو.
وبينما كان عمر غارقاً في بحر من التفكير و التساؤل جاءه صديقه عبد الله يحمل مجموعة من العلب الفارغة ليقدمها لصديقه حتى يستخدمها في صنع العربات الصغيرة.. فقال له عمر ضاحكا:
- ده شنو؟
- علب فاضية.
- لكن كتيرة.
- أخد كفايتك والباقي .. علمني بيهو.
- طوالى.
فأخذ عمر يلقن صديقه دروساً في تعلم صناعة تلك العربات الصغيرة.. وفى مساء نفس اليوم جاء إلى البيت أحد أقارب عبدالرحيم وآمنة.. من أجل خطبة آمنة.. ومن نظرات الرجل أدركت آمنة سبب الزيارة .. وفى ديوان استقبال الضيوف أفصح الرجل ويدعى حبيب الله عما يجيش في صدره، فبشره عبدالرحيم خيراً.. وطلب منه أن يمهله لحظات حتى يستشير صاحبة الشأن.. والتي لم تمانع على الإطلاق عندما أخذ عبدالرحيم رأيها.. ولكن الخبر كان له وقع سىء في نفس عمر إذ شعر أن ما بقلبه من جراح قد زاد .. ولكن أمه أخذت تقنعه بأنها لن تنسى أبناءها مهما كانت الظروف.. فقال عمر.. هو يشعر بعبرة حارقة تقف في حلقه.. عبرة مرة المذاق.. تكاد تمزق حلقه:
- شكلك حتنسينا يا أمي.
- ما تقول كده.
كان حبيب الله على عجلة من أمره.. فهو يعمل بالتجارة بين مدني وإحدى مدن الجنوب البعيدة.. فكان يشترى من مدني ما يندر هناك.. ثم يأتى من هناك بما هو نادر في مدني.. وكان وضعه المادي متيسر تماماً.. فأخذ يلح على عبدالرحيم وذلك للإسراع بإقامة الزواج.. وكان له ذلك.. وكان يوم الزواج.. إلا أنه كان يوماً حزيناً في حياة عمر.. كان عمر يجلس بين المعازيم وكأنه غريب عن أهل البيت.. يمطره البعض بنظرات العطف.. إلا أن هذه النظرات كانت تجعله يشعر بالضيق .. لقد أثر فيه كل ذلك بالرقم من صغر سنه.. ولقد أدركت آمنة ما يجول بخاطر أبنها ولكنها كانت عاجزة في هذا اليوم بالذات من تقديم المساعدة لأبنها.. وكان ضمن الحضور سامية أخت آمنة وزوجها واللذين حضرا خصيصا لأجل هذه المناسبة .
انتهى اليوم السعيد الحزين.. السعيد في نظر عبدالرحيم .. والحزين في نظر عمر.. والمخلوط بالسعادة والحزن في نظر آمنة.. سعيدة لأن الله عوضها خيراً وحزينة لأن هناك جدار آخر أصبح يفصل بينها وبين أبناءها.. وفى الصباح الباكر انتقلت آمنة وزوجها إلى أحد الفنادق العريقة بمدينة مدني لقضاء شهر العسل.. فجعل هذا عمر يشعر بالوحدة.. فأخذ يشغل نفسه بصناعة العربات الصغيرة.. وأتفق مع صديقه عبدالله على تكوين شركة.. يساهم فيها عبد الله بالعلب الفارقة أما هو فعليه أن يقوم بصناعة العربات الصغيرة.. ثم يقتسمان مناصفة ما يأتى من مال.. وما هي إلا ثلاثة أيام من بداية اتفاقيهما حتى نشب الخلاف بين الشريكين حول توزيع المال.. وكان سبب الخلاف أن عبدالله طلب أن يكون نصيبه في الأرباح أكبر من عمر فلم يقبل عمر بهذا الرأي.. وتحول الخلاف إلى مشادة كلامية.. ثم تحولت المشادة الكلامية إلى مشاجرة حامية الوطيس.. وأثناء الشجار سقط عبدالله بجوار الأداة الحديدية التي يستخدمها عمر في عمله.. فأخذها ونهض وأتجه صوب عمر، يريد أن يضربه بها فما كان من عمر إلا أن حمل أقرب حجر منه وضرب به عبدالله على رأسه ضربة بالغة.. وعندما رأى عمر الدماء تتساقط من رأس عبدالله وهو يصرخ.. أحس بالذعر.. ولم يكن بالبيت سوى عرفة التي كلفتها آمنة بمراعاة عمر ريثما تعود من شهر العسل.. حاول عمر الاعتذار لعبدالله ولكن الأخير رفض وعاد إلى بيته والدماء تنزف من رأسه وهو يبكى.. فأدرك عمر أن عبدالرحيم عندما يعلم بالأمر سوف ينكل به شر تنكيل فأسرع إلى داخل الحجرة، ليجد عرفة تغط في نوم عميق.. فأرتدي ملابس الخروج ووضع ما لديه من مال في جيبه وأسرع إلى خارج البيت متجهاً نحو السوق.. وهناك في السوق أخذ عمر يسأل الأولاد الذين يبيعون الأكياس عن صديقه حسن.. حتى تمكن في النهاية من العثور عليه.. ليجده يرتدى ملابس نظيفة ويحمل في يده حقيبة، فسأله عمر على الفور:
- ماشى وين؟
- الخرطوم.
- عندك أهل هناك؟
- لا.. ماشى أشتغل.
- طيب أنا عايزك في خدمة.
- أطلب.
- أنا عايز أسافر القضارف.
- براك؟
- أيوه.
- ليه كده.
فقص عمر على مسامع صديقه ما حدث.. وبعد أن أنهى عمر حديثه صمت برهة وقال في نفسه:
- طيب أنا لو مشيت القضارف أبوي هناك ما حيرحمنى أبداً.. أعمل شنو؟.. أعمل شنو؟.
ظل عمر شارد الذهن حتى أيقظه حسن قائلاً:
- أنا ممكن أوديك للعربات البتسافر القضارف.. قلت شنو؟.
- أنا ما عايز أمشى القضارف.
- عايز تمشى وين؟.
- معاك.
- معاى؟!.
- هناك أبوي بيضربنى طوالى .. كانت أمي بتحمينى منو.. لكن هسع سابو بعض.. وأمي جات هنا وأتزوجت، فإذا مشيت القضارف حأتعب والله.
- طيب الحل شنو؟.
- أسافر معاك.
تردد حسن في بادئ الأمر ولكنه سرعان ما تراجع أمام إصرار صديقه عمر.. وما هي إلا لحظات حتى أخذ عمر وصديقه أماكنهما في أحد بصات السفر المتجهة صوب الخرطوم.. وفى الطريق نام حسن على مقعد البص الوثير.. أما عمر فلم يجد النوم طريقاً إلى جفنيه.. وأنتابه شعور بالضياع.. وتمنى لو لم يكن.. وما دفعه لاتخاذ مثل هذا القرار المتهور إلا إحساسه بالقهر سواء من جانب والده أو من جانب خاله.. حتى أنه أصبح ينظر إليهما وكأنهما ماردين شريرين يحولان بينه وبين السعادة... تلك السعادة التي غامر من أجلها عندما سافر مع أمه إلى مدني دون علم والده ولكنه لم يجدها فتمنى لو يجدها في الخرطوم.

والقية تأتي .

 

 








يوسف احمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 21-09-06, 09:40 PM   #5
 
الكــــاتب
:: قلب نشيط ::
 

بيانات :- يوسف احمد
 
 
تبرع يوسف احمد
 
يوسف احمد is on a distinguished road
افتراضي

الباحث عن المجد

رواية


الفصل الخامس

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]

يوسف أحمد / السودان










((5))
وفى السوق الشعبي الخرطوم كانت نهاية رحلة السفر.. فأخذ حسن يجول في أنحاء السوق يتبعه عمر بحثاً عن عربة مواصلات تقلهما إلى سوق أمدرمان.. حيــث كـان حسـن يحمل عنواناً أعطاه له أحد أصدقائه بمدني.. لشخص يقيم ويعمل بسوق أم درمان.. وما هي إلا لحظات حتى كان لهما ما يريدان.. فقد وجدا عربة مواصلات عامة تقلهما إلى سوق أم درمان ... حياة ومناظر عجيبة اصتضدم بها الولدان؛ فالعربات الكثيرة والأبنية العالية جعلت الولدان يعيشان في دوامة من الدهش.. ولا عجب في ذلك فالاثنان كانا حديثي العهد بهذا المكان.
وفى سوق أم درمان.. أخذ حسن يسأل هنا وهناك عن صاحب العنوان.. وطال البحث.. وشعرا بالتعب والإرهاق.. ولكن أين المكان الذي يأخذان فيه قسطاً من الراحة.. إذاً لا سبيل غير مواصلة البحث عن صاحب العنوان.. دنت الشمس من الغروب وأخذ الليل ينثر خيوطه السوداء في الأفق.. وحسن وعمر في دوامة من البحث ولكن دون جدوى.. وبينما كانا يأخذان طريقيهما في أزقة سوق أم درمان مرا بشاب يجلس على مقعد في أحد هذه الأزقة وأمامه منددة صغيرة يضع فيها بعض المعروضات .. فسأله حسن عن صاحب العنوان.. فتعرف الشاب على صاحب العنوان.. وقال :
- حامد ده سافر بورسودان قبل أشهر.
فرد حسن:
- يا حولي الله.
ثم قال الشاب:
- جايين من وين؟
فرد حسن:
- مدني.
- أنتو أهل حامد.
ورد حسن:
- أخو واحد صاحبي.
أخذ الشاب ينقل بصره بين حسن وعمر .. فأدرك أن سبب زيارة الولدان هو البحث عن عمل.. إذ أن ذلك يبدو من شكليهما.. فقال الشاب مبتسماً:
- طبعاً حامد كان ساكن معانا.. فما في مشكلة... ممكن تنزلوا معانا عادى.
فرح عمر وحسن لسماع ما قاله الشاب.. فقال حسن:
- شكراً ليك .
ونعود إلى مدينة مدني لنتعرف على ما آلت إليه الأمور هناك.. فبعد هروب عمر من مدني خشية العقاب الذي سوف يلحِقُه به عبدالرحيم والقهر الذي سوف يقابله به والده هناك في القضارف عندما يعود إليها؛ استيقظت عرفة من نومها.. ولم تجد عمر، فأخذت تبحث عنه هنا وهناك داخل البيت.. وبينما كانت عرفة تبحث عن عمر.. سمعت طرقات قوية على الباب.. فأسرعت نحو الباب.. فإذا بها والدة عبدالله الذي أصابه عمر إصابة بالغة على رأسه.. فقالت والدة عبدالله بصوت ينم عن الغضب:
- عمر ضرب عبدالله بالحجر في راسو.
وردت عرفة في دهشة:
- متين؟.
- قبيل.
- أنا هسع عمر ما لاقياه من قبيل.
- عبدالرحيم في؟
- ما في.
- خلاص أنا بجي بعدين.
ظنت عرفة أن عمر مختبئ في مكان هنا أو هناك خشية العقاب الذي سوف يلم به.. فعاودت البحث بدقة أكثر في كل أرجاء البيت ولكنها لم تعثر له على أثر.. وامتدت إلى قلبها خيوط القلق فحاولت قطعها.. فأخذت تبحث عن عمر في أزقة الحي.. ولكنها عادت أدراجها خاوية الوفاض.. وبينما كانت عرفة تعيش في دوامة من القلق.. عاد عبدالرحيم من السوق.. لتفاجئه عرفة بما حدث.. بداية بما فعله عمر مع عبدالله.. نهاية باختفائه المفاجئ... لم يخطر على بال عبدالرحيم أو عرفه شيء مما حدث... فقد ظن عبدالرحيم كما ظنت عرفة أنه مختبئاً في مكان ما خشية العقاب ، فجلسا في انتظار عودته.. وعندما كانت الظنون تعبث برأسي عبدالرحيم وعرفة؛ جاءت والدة عبدالله شاكية لعبد الرحيم ما بدر من عمر.. فوعدها بأنه سوف يقتص لها حق أبنها.. عندما يعود عمر .. ظل عبدالرحيم وعرفة منتظران لفترة ولكن طال الانتظار.. وأخذ عبدالرحيم يسأل نفسه بصوت مسموع:
- يكون مشى وين؟.
فقالت عرفة:
- يا عبدالرحيم الساعة عشرة بالليل لازم نعمل حاجه.
فرد عبدالرحيم عليها قائلا:
- ننتظر ساعة تانى وبعد كده نتصرف.
مرت ساعتان ولم يأتى عمر.. وأخذ النعاس يداعب أجفان عبدالرحيم وعرفة.. وفجأة قال عبدالرحيم:
- ممكن يكون سافر القضارف.
فردت عليه عرفة قائلة:
- لكن هو ما بيعرف السوق الشعبي.. يكون سافر كيف.
- كل يوم بمشي السوق.
- والله؟
- والله.
- لكن لازم آمنة تاخد خبر.
- لازم.. خلاص أنا حامشى ليها هسع وحأكلمها.
وعندما علمت آمنة بما حدث جن جنونها، فقطعت شهر العسل وعادت مع زوجها وعبدالرحيم إلى البيت.. وقد استبعدت آمنة أن يكون عمر قد سافر إلى القضارف.. فهي تعلم أنه يتمنى أن لا يعود إليها.. لذا أخذت تندب حظها تارة وتصرخ في وجه عرفة معاتبة لها على إهمالها تارة أخرى.. وخرج عبدالرحيم وحبيب الله في جولة في أزفة وطرقات الحي بحثاًَ عن عمر.
ونعود الى أم درمان للتعرف على ما آلت إليه الأمور مع عمر وحسن.. فعندما شكر حسن الشاب.. أخذوا يتجاذبون أطراف الحديث.. إلا أن الشاب أحس أن الولدان يشعران بالتعب.. فأصطحبهما إلى البيت الذي يسكن به.. وهو بيت قديم جداً هجره أهله منذ زمن بعيد.. يقبع فى أحد أزقة السوق.. ومنذ ذلك الوقت وهو مأوى للشباب والأولاد ممن لا أُسر لهم.. وحالة البيت تشير إلى أن من يسكنون بالبيت ليسو على حظ وافر من الخُلق.. فرائحة الخمر والمخدرات تنتشر ليلاً في أنحاء البيت.. وعندما وصل عمر وحسن بصحبة الشاب الى البيت .. أخذ الشاب يعرّف عمر وحسن بمن في البيت من شباب وأولاد والذين أخذوا ينقلون بصرهم بينهما .. فلم يستطع عمر أو حسن تفسير مغذى هذه النظرات.. والتي بعثت الريبة إلى قلبيهما.. ولم يكن عمر يستطيع أن ينسى رائحة الخمر، فعندما دخل الى البيت وأجتاحن أنفاسه رائحة الخمر، شعر بالخوف.. وما هي إلا لحظات حتى تمكن الشاب من إيجاد أماكن كي ينام عليها عمر وحسن.. فأقتادهما إلى تلك الأماكن لينالا قسطاً من الراحة.. وقبل أن يستغرق كل من عمر وحسن في نوم عميق.. أيقظهما الشاب لتناول وجبة العشاء والتي كانت عبارة عن حبات من الفول والخبز الجاف.. فأكل الولدان بنهم شديد فقد كانا يشعران بالجوع.. وبعد أن فرغ عمر وحسن من تناول وجبة العشاء عادا الى النوم فلم يجدا صعوبة في استئنافه.. وفى الصباح الباكر أسيتقظ عمر وحسن ليجدا الشاب يجهز نفسه وينظم بضاعته استعدادا للذهاب إلى السوق لكسب قوته.. فطلبا منه أن يسمح لهما بالذهاب معه إلى السوق فلم يمانع في ذلك .. وفى السوق قال حسن للشاب والذي يدعى أحمد:
- طبعاً أنحنا جينا عشان نشتغل.
فرد أحمد قائلاً:
- مع أنو عمركم صغيّر.. لكن ده حال الدنيا .. لا بتعرف صغير ولا كبير.
اكتفى عمر بالاستماع .. إذ أن رائحة الخمر التي غذت أنفاسه البارحة أثناء دخوله إلى البيت جعلته يرتاب من هذا المكان.. كما عادت بذاكرته إلى تلك الأيام السوداء التي قضاها بالقضارف.. وما فتئ عمر يطير بأجنحة الخيال عابراً عالم الذكريات مروراً بما رآه من والده من بطش وما وجده من والدته من حب نهاية بما قضاه مع أختيه أمل ورحمة من أيام جميلة فتمنى لو يصل صوته إليهما عبر الأثير مشبع بنسمات الشوق والتحنان.. وعاد عمر إلى واقعه المظلم ليجد حسن ما فتئ يمطر أحمد بوابل من الأسئلة المتواصلة.. فسمع حسن يقول:
- طيب يا أحمد أنا وعمر ده بنلقى شغل هنا.
صمت أحمد برهة ثم قال:
- والله تعرف أسهل شغل وممكن يناسب سنكم.. أنكم تبيعو موية.
فقال حسن في دهشة:
- موية ! .. ثم أرد قائلاً:
- أنا كنت شايف في ناس بتبيع موية فى مدنى لكن ما كنت قايلهم بيربحوا.
فرد أحمد مبتسماً:
- لا .. دى الموية فيها ربح كويس.
وفى مدني زادت الأمور سوءاً.. وذلك بعد أن اتصلت آمنة هاتفياً بحافظ زوج مريم .. تسأل عما إذا كان عمر قد سافر إلى القضارف أم لا.. فكانت الإجابة بالنفي.. بل أكد لها بأن مريم تنوى السفر إلى مدني في قضون يومين أو أكثر.. لم تستطع آمنة مواصلة التحدث إلى حافظ.. فأنهت ا