وما العبودية ؟؟؟
العبودية هي الحال التي إذا هيمنت على كيان الإنسان تحرك لسانه دائماً بذكر الله، وكان قائدُ اللسان إلى ذلك القلبَ النابض بذكر الله سبحانه وتعالى.
العبودية حال إذا هيمنت على كيان الإنسان تفرّغ القلب عن شواغل الدنيا، فَرَغَ القلب عن مشاعر الأحقاد، عن مشاعر الضغائن، عن مشاعر الحسد، الضغينة؟ ذلك لأن العبودية لله عز وجل طردت كل ما سوى الله سبحانه وتعالى.
العبودية حال إذا هيمنت على كيان الإنسان رقَّ قلبه، فكان سريع التأثر بما يسمع من كلام الله، سريع التأثر بما يسمع من موعظة الواعظين، لا يرى من حوله مظهراً من مظاهر الدنيا إلاّ ويذكّره بالله سبحانه تعالى. وحسبكم أن تعلموا أن مظهر العبودية لله عز وجل لم يتجسد في كيان امرئ كما تجسد في كيان خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. العبودية،
العبودية هي التي جعلته عندما قال لعبد الله بن مسعود: ((اقرأ علي القرآن)). فقال له ابن مسعود: أأقرؤه عليك وعليك أُنزل؟ قال: ((أحب أن أسمعه من غيري)). يقول ابن مسعود: فتلوت عليه سورة النساء. حتى جئت إلى قول الله عز وجل: {فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} [النساء: 4/41] قال: ((حسبك)). فالتفتُّ إليه، وإذا عيناه تذرفان بالدموع. مظهر العبودية ظهر أكثر ما ظهر في كيان المصطفى صلى الله عليه وسلم كي يكون قدوة لنا في ذلك. يقول عبد الله بن الشخير فيما يرويه مسلم في صحيحه: ((دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي وله أزيز في صدره كأزيز المرجل من البكاء)).
يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم كصلاتنا عبادة، لكنها مختلفة كل الاختلاف عن صلاتنا عبودية، وهو رسول الله الذي بشره الله عز وجل بما لم يبشر به أحداً من عباده، ومع ذلك فعبودية رسول الله صلى الله عليه وسلم نامية بين جوانحه، ((سمعت له أزيزاً كأزيز المرجل من البكاء)).
هذه العبودية هي أرقى ما يصل به العبد إلى المولى إلى مولاه وخالقه عز وجل، ولعلها السّر في أن الله عز وجل عندما حدثنا عن الإسراء به صلى الله عليه وسلم إنما وصفه في تلك الحال بوصف العبودية: {سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 17/1]
ولعل هذا هو السر في أنه صلى الله عليه وسلم عندما أُكْرِم بأعلى مراتب النصر يوم فتح مكة دخلها وقد دان أهلها جميعاً وهم لا يزالون مشركين دانوا له بالخضوع والاستسلام، ومع ذلك فقد تغلبت مشاعر عبوديته لله على نشوة النصر التي يسكر بأقل منها كثير من الناس في مثل هذه الحالة، وقف عند باب الكعبة المشرفة يثني على الله سبحانه وتعالى، ولا ينعت نفسه بوصف العبودية لله سبحانه وتعالى: ((لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده)) لم يقل: نصر رسوله، لم يقل: نصر نبيه، وإنما وصف نفسه بالعبودية؛ لأنها الوصف الذي يبعث النشوة في كيان العبد الذي عرف هويته، فكيف بالمصطفى صلى الله عليه وسلم
إذا عرفنا هذه الحقيقة - يا عباد الله - فلنعلم السر في هذا الذي قاله رسول الله عنا وعن إسلامنا في هذا العصر: ((بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل)). قيل : لماذا؟ ها هي المساجد تفيض بالمصلين، وها هي ذي الاحتفالات والاحتفاءات بشهر رمضان المعظم يزداد كل عام عن العام الذي فات، وها هم أولاء الملايين يتجهون في كل عام حجاجاً إلى بيت الله الحرام. قلت: تلك هي العبادة ومظاهرها، فأين هي العبودية لله سبحانه وتعالى؟ تلكم هي الأغصان، فأين هو الجذع؟ أين هي الجذور؟
ما قيمة أن أصلي كثيراً إذا كان قلبي فياضاً بمشاعر الأنانية، إذا كان قلبي فياضاً بأحلام نفسي الدنيوية وأمانيها؟ في مثل هذه الحال تُجَنَّد العبادات للدنيا ورغائبها، في مثل هذه الحال أُجَنِّد الموقف الذي أقفه بينكم في مثل هذا اليوم لرغائبي الدنيوية، لآمالي وأحلامي، لنسيج الشهرة التي أبتغيها، في مثل هذه الحال ربما أكتب كثيراً، وأدعو إلى الله عز وجل كثيراً، لكن غندما تغيب العبودية لله عز وجل أجند ذلك كله لدنياي، أجند ذلك كله لتغذية مكانتي سمعتي، هذه هي حال المسلمين اليوم.
يا عباد الله. قليل من العبادة مع الكثير النامي من مظاهر العبودية لله عز وجل وحقيقتها توصل العباد إلى الله سبحانه وتعالى، تصلح أمرهم، تُقَوِّم اعوجاجهم. ولكن العبادة مهما كثرت - وهي تكثر اليوم - إذا لم تكن لها جذور من الإخلاص لله، من مشاعر العبودية لله عز وجل، فإن هذه العبادة تتحول إلى أعمال دنيوية في حقيقتها، وإن كانت دينية في مظاهرها.
هل رأيتم معظم مجالسنا اليوم تتحدث عن القلب وأمراضه؟ عن السبيل إلى أن نلقى الله عز وجل وقد فاضت أفئدتنا بكفتي ميزان واحد الخوف والرجاء من الله عز وجل؟ هل سمعتم أناساً تداعوا ليتساءلوا عن السبيل الأمثل والأقصر إلى أن نصطبغ بالصبغة بل بالوصف الذي ذكره الله عز وجل لأولئك الذين أحيهم من عباده إذ قال عنهم: {كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 51/17-18] عندما يقول عنهم: {تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 32/16] هل سمعتم وأنتم تسمعون الكثير الكثير من أحاديث الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ومجابهة الآخرين في مجتمعاتنا هل سمعتم من يتحدث عن هذا الذي أقول لكم؟ هكذا وصف الله عز وجل النخبة العالية من عباده {تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ}
هل الباري عز وجل بحاجة إلى أن أساهر الليل في سبيل أن أجذب الناس إلى دين الله؟ لا. الله هو الهادي. لكنني أنا المحتاج إلى أن أتحقق بهويتي عبداً لله، أنا المحتاج إلى أن أتحقق بهويتي مملوكاً لله سبحانه وتعالى، أنا المحتاج إلى أن أعود إلى قلبي فأطهره من الشواغل عن الله، من الأسباب التي تنسيني ذكر الله عز وجل، أطهر قلبي من الحقد على فلان وعلى فلان، من الحسد تجاه فلان الذي سبقني إلى شهرة نسجها لنفسه أو نسجها الله سبحانه وتعالى له.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمتعنا بنعمة العبودية له، وأن يجعل من هذه العبودية تاجاً لعباداتنا، إنه سميع مجيب، .