وروى مالك في موطئه، ومسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلّم على أهل البقيع، ثم قال: وددت لو أني رأيت إخواننا. إلى أن قال: ((ألا ليذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. فأقول: ألا هلمّ، ألا هلمّ، فيقال: إنك لاتدري كم بدّلوا من بعدك، فأقول: فسحقاً فسحقاً فسحقاً...))
إذن، فتجديد الدين مشروع ومأمور به. وهي واحدة من المهام التي يجند الله لها العلماء الربانيين، بعد أن ختمت الرسالات ببعثة خاتم الرسل والأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام... أما التبديل فتضييع للأمانة، وخيانة للعهد، وافتئات على الله عز وجل. ومن ثم فهو تورط في محرّم، وتعرض للطرد من رحمة الله وغفرانه.
ولكن فما الفرق بينهما؟.. ما الفرق بين تجديد الدين، والتبديل فيه؟
يتبين معنى التجديد جلياً، إن وقفنا وقفة دراية وتدبرّ عند كلمة الدين. من المعلوم أن الدين هو الدينونة، أي الخضوع المطلق للمعبود بالحق، وهو الله عز وجل. ونحن إنما نعني هنا بالدين الدين الحق الذي هو الإسلام. فالدين والدينونة وصف للإنسان والتجديد مسلّط عليه أي على الدين ذاته، لا على مبادئه وأحكامه.. وإنما يتمثل عمل من يبعثهم الله لتجديد الدين، إذن، في حمل الناس على تجديد بيعتهم لله، وعلى العود إلى الانضباط بهديه وأحكامه، بعد طول تفلت وشرود.. وعلى إصلاح ما تصدع من صرحه، وتمتين ما وهى من دعائمه، وسدّ ما تفتح من ثغرات في مفاهيمه، وتخريج أحكام المستجدّات من الحوادث والمصالح والأعراف، على كليات القواعد الفقهية، والمبادئ الأصولية وقواعد تفسير النصوص، دون أيّ عبث بها، ودون أي استجرار لها إلى ما تتطلبه الرغائب والأهواء، وحظوظ النفس ومغانم الدنيا
وهذا ما يوضح سبب تسلّط التجديد، في نص الحديث، على الدين الذي هو الدينونة كما عرفنا، لا على أمر الدين الذي هو مبادئه وأحكامه، كما يرويه بعض الناس. وهو خطأ في كل من الرواية والدراية معاً... خطأ في الرواية، لأن الروايات كلها جاءت بلفظ ((من يجدد لها دينها)) وهو خطأ في الدراية، لأن تجديد أمر الدين لامعنى له إلا تجديد أحكامه ومبادئه. وهي تظلّ جديدة مهما تقادم عليها العهد، فلامعنى إذن لتجديدها إلا التبديل الذي يحلم به دعاة الحداثة، وهو ما قد نهى وحذّر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذا أكرم الله الأمة بهذه النخبة من العلماء، فلسوف يكون تحديد الدين هو الحصن الذي يقيه من أطماع النيل منه والعبث به، ولسوف يكونون هم المعنيين بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعظم بها من شهادة
وقد علمنا مما ذكره شراح الحديث أن كلمة ((من)) في قوله عليه الصلاة والسلام: ((من يجدّد لها دينها)) ليست كناية عن شخص واحد تجمعت فيه مزايا الرعاية والتجديد، كما قد ظن البعض، بل هي كناية عن كل العلماء الذين يصطفيهم الله تعالى في كل عصر لحراسة دينه وتجديد الإقبال إليه والإخلاص له
والدافع المحرك إلى ذلك إنما هو مزيج من عوامل شتى، منها التبرم بالقديم لأنه قديم، ومنها التطلع إلى التفلت من ضوابط الدين وأحكامه، تحقيقاً لما تهفو إليه النفس من الرغائب والأهواء والتقلب في حمأتها على نحو ما هو جارٍ في المجتمعات الغربية الآسنة... ومنها الاستجابة للملاحقات الخفية التي تتسرب من أقطاب الغزو الفكري في الخارج إلى أقطاب من عملاء لهم في الداخل.. ومن اطلع منكم على التقرير الخفي الذي كتبه (وليم كليفورد) ورفعه إلى الدوائر الغربية لاسيما الأمريكية، المسؤولة عن متابعة حال الإسلام في بلاده، يعلم الكثير مما أشير إليه في هذه العجالة
أما العامل الكلّي الكبير الذي تتفرع عنه هذه العوامل التي أشرت إليها، فهو عامل فكري اعتقادي، يتمثل في أن رجال هذه الدعوة إنما يفهمون الإسلام على أنه مجموعة أنظمة فوقية أنتجتها أدمغة عربية في غابر الأزمان، ثم طال عليها العهد واستنفدت كل ما كان فيها من مبررات عائدة إلى طبيعة ذلك العصر.
والحوار المجدي مع هؤلاء، والحالة هذه، لايتمثل في إقناعهم بأن الإسلام الذي تلك هي صورته وحقيقته في أذهانهم، صالح كما هو لكل عصر، إذ من المستحيل أن تقنع إنساناً بأن نظاماً أبدعه فكر إنسان مثله، يصلح أن يظل ثوباً سابغاً ومناسباً، لسلسلة الأجيال الإنسانية كلها، دون تبديل ولاتغيير.
وإنما الحوار المجدي أن ينبَّهوا إلى أن الإسلام، بمبادئه الاعتقادية وأنظمته السلوكية، إنما هو الرسالة التي شرّف الله بها عباده في هذه الحياة الدنيا، واصطفاها لهم، درايةً بمعرفة حقائق الكون، ومنهاجاً للتعامل مع الحياة، وأن ينبَّهوا إلى أن القرار الذي تلقيناه من القرآن قائلاً: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 5/3] ليس كلام بشر من الناس، وإنما هو خطاب الله الموجه وحياً إلى عباده.
فإن أدركوا ذلك واستقرت العقيدة الإيمانية حقيقةً في أذهانهم، فإن مشكلة الاستبدال باسم التجديد، وماتستجره من خداع، وماتستبطنه من قصود مخالفة لظاهر الشعارات والعبارات، تذوب وتزول، ولسوف نتلاقى معهم على منهج واحد، ظاهره وباطنه سواء.
وإن غاب عنهم هذا الإدراك في تلافيف الرغائب والأهواء والعصبيات، فلسوف يبقى السعي منهم دائباً مستمراً إلى تمييع حقائق الإسلام، وتبديد شرائعه، ليتحول تيّاره الفعال إلى رذاذ فضياع!.. وهذا ما كان ولايزال يأمله وليم كليفورد في تقريره الذي أشرت إليه والذي يعتمد فيه على عملاء أمناء له ولبطانته يتحركون فيما بيننا طبق مخططاتهم تحت غطاء الغيرة على تجديد الإسلام وتطويره!..
فإذا تبرمت الأمة العربية اليوم بالإسلام واجتوته، تحت غطاء الدعوة إلى تحديثه وتطويره، فإن السنة الربانية الماضية في الناس دون شذوذ، تقضي بأن تعود هذه الأمة إلى الحالة التي كانت عليها، قبل أن ينتشلها الإسلام من وهدة التخلف والضياع إلى قمة الحضارة والإبداع.. وإن كان لهم آنذاك ماضٍ مشرِّف من جهد بذلوه، فليتلمسوه، وليعودوا إلى تراثهم الذي ينتظرهم منه.
وهذا هو الخطّ البياني الذي ينحدر إليه واقع هذه الأمة اليوم، منسجماً بدقة مع الخط البياني الذي يرسم تراجعها المطرد عن الالتزام السابق والصادق مع الإسلام عقيدة وشرعة وسلوكاً.
وليت أن هذا الواقع الذي تعاني منه أمتنا العربية هذه، يوقظنا إلى هذا القانون الإلهي، الذي أدركه عمر بن الخطاب وتعامل معه من خلال الخير الذي فيه، قائلاً: ((نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما طلبنا العزّ بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله)). ثم جئنا نحن فتعاملنا معه من خلال المغبّة التي فيه.. وليت أنا إذ لم نهتد بهذا الذي قاله عمر واعظاً وناصحاً تعلمناه مما قرره ابن خلدون، واقعاً، بل حقيقة اجتماعية. ألم يعقد في مقدمته فصلاً جعل عنوانه: ((فصل في أن العرب لا يصلح أمرهم إلا انضباط بالدين)).
وصفوة القول أن رحلة الأمة العربية إلى صعيد التقدم والمجد، إنما تمت بمركبة الإسلام وفاعليته، دون أي وسيلة أو فاعلية أخرى.. وتجديده مطلوب، غير أن تجديده إنما يكون بتحديد الإقبال إليه والإخلاص له والتمسك به، وربط سائر المستجدات التي يأتي بها العرف والزمن بما يشمله من قواعده وأحكامه.
أما العمل على تطويره وتحديثه، فمردّه إلى نتيجة واحدة لا ثاني لها، هي إعطاب هذه المركبة.. وهي الغاية الحقيقية التي يضمرها دعاة التطوير والتحديث، وهذا الـذي يسمونـــه ((القراءة الحديثة)).
نسأل الله تعالى أن يكفينا واسلامنا شر الحاقدين