
الفوضى الوقائية بعد الحرب الإستباقية
بقلم: فيصل جلول
الولايات المتحدة تسعى الى منع تحول هزيمتها العسكرية المرتقبة في العراق الى اندحار استراتيجي يستفيد منه المقاومون والممانعون والاعداء.
ميدل ايست اونلاين
احتل الجنرال ريكاردو سانشيز العراق قائدا لما يسمى بـ "القوات المتعددة *****يات". اعتبر في فترة الاحتلال الاولى بطلا أميركيا عظيما إلى أن باشر الحديث عن النقص في القوات الاميركية وعن النقص في الاليات والدعم اللوجستي. في هذا الوقت اندلعت قضية التعذيب في سجن ابوغريب. اعتبر مسؤولا عنها رغم انه لا يندرج في التراتبية الخاصة بالشرطة العسكرية التي تتولى سجون الاحتلال. قبل تقاعده عوقب سانشيز بحجب الترقية عنه وبعد تقاعده أطلق تصريحاته المزلزلة: ادارة مجلس الامن القومي للحرب كانت رديئة. ارتكبت الادارة الاميركية أخطاء فادحة بعد الاحتلال: "حل الجيش العراقي" والامتناع عن تشكيل "حكومة مدنية". حرب بوش على العراق كارثة. لا ضوء في نهاية نفق هذه الحرب. لا يمكن تحقيق انتصار في العراق. أقصى ما يمكن التوصل إليه هو تفادي الهزيمة.
لم يحدد سانشيز الكيفية والراجح أن أحدا من ذوي الشأن في إدارة الحرب العراقية لن يجرؤ على تحديدها الأمر الذي يحيلنا إلى علم الحرب و منه خلاصة كلاوزفيتز الشهيرة: الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى. لقد شنت الحرب من اجل إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق ألأوسط، أي قهر كل من تعتبرهم واشنطن أعداء وممانعين لها ولإسرائيل وفرض نظام شرقي أوسطي خاضع لأميركا ووكلائها حصرا تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد". فشل المحتل في إخضاع العراقيين. امتنع حلفاء واشنطن العرب عن دعم مشروع الشرق الأوسط الجديد. بقي "الاستسلام" النووي الليبي محصورا ومحدودا ولم يتحول إلى مثال يحتذى. قاومت الأنظمة الخليجية "الإصلاح من الخارج". لم يسقط النظام السوداني بعد اتفاقية الجنوب وفيها خيار الانفصال ثم اندلعت قضية درافور ومازال قائما. لم يسقط النظام السوري بعد انسحاب قواته العسكرية من لبنان. لم تتمكن إسرائيل من القضاء على المقاومة اللبنانية خلال حرب تموز/يوليو عام 2006. عادت إيران للتمسك بمشروعها النووي بعد أن قبلت بتجميده عام 2003 إثر سقوط بغداد. وكفت مؤخرا عن دعم الاحتلال عبر حلفائها الجنوبيين. في هذا الوقت كانت روسيا تتحرك بثبات على الساحة الدولية وتسعى لاستعادة مواقعها السابقة وكانت الصين تتمدد اقتصاديا بلا ضجيج وتضخ المزيد من المليارات في الاقتصاد الأميركي مستفيدة من كلفة الاحتلال الباهظة ومن علامات الوهن التي ما برحت تتجمع على هيئة القوة العظمى أضف إلى ذلك أن شركاء أميركا الأوروبيين في الحرب انفضوا عنها سريعا: أسبانيا ثم إيطاليا وأخيرا بريطانيا.
باختصار شديد يمكن القول أن واشنطن لم تتمكن من تحقيق الأهداف السياسية لحربها العراقية داخل العراق وفي الشرق الأوسط الذي ظل قديما بل ربما ازداد "قدما" عن ذي قبل ما يعني صراحة أن تعذر بلوغ أهداف الحرب ناجم عن فشل الحرب. ولا نعرف مثالا واحدا في التاريخ عن حرب فاشلة أفضت إلى إنجازات سياسية ناجحة.
هنا يجدر التذكير بحادثة ربما تعكس الأبعاد العميقة لهذا الفشل. فقد احتجزت إيران بحارة بريطانيين لمدة أسبوعين متواصلين دون أن تتمكن قوات التحالف من إطلاق سراحهم إلا عبر التفاوض والمقايضة ما بدا أنه إهانة لا مثيل لها لقوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية أضف إلى ذلك الانسحاب البريطاني من البصرة ليلا والتمركز خارج مسرح العمليات في مطار المدينة ومن ثم الإعلان عن الانسحاب التام خلال الشهور المقبلة.
لكن هل يمكن تفادي الهزيمة في العراق والشرق الأوسط على ما أوحى سانشيز؟ أغلب الظن أن الهزيمة المجلجلة قد لا تبقي حجرا أميركيا على حجر في الشرق الأوسط ذلك أن أعداء واشنطن وتل أبيب والغرب عموما سيحولون هزيمة العراق إلى انتصار ساحق من الصعب تقدير حجمه وأبعاده مسبقا فما كان قبل الحرب لن يبقى بعدها على حاله وكما أن الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى فالسياسة أيضا امتدادا للهزيمة العسكرية بوسائل أخرى وحتى لا يستفيد الممانعون والمقاومون والأعداء من الفشل الأميركي في العراق وحتى يصبح تفادي الهزيمة ممكنا على ما ذكر ريكاردو سانشيز، لابد ـ على سبيل الترجيح ـ من نشر الفوضى "الوقائية" في الشرق الأوسط وبالتالي إشاعة الاضطراب في أو حول البلدان المرشحة لرفع رأسها بعد رحيل "اليانكي" من بلاد الرافدين: تنظيم حرب مليشيات في البيئة السنية العراقية المناهضة للاحتلال؛ تقسيم العراق بقرار من الكونغرس يصبح ملزما حين الطلب ويفضي بالضرورة إلى تأسيس دولة كردية مستقلة صديقة لإسرائيل و تدين ببقائها للمحتل وحده؛ التحكم بالصراع السياسي في لبنان عبر تطويق المقاومة بالقوات الدولية جنوبا وبحكومة مناهضة في العاصمة وتدعيم عناصر النزاع اللبناني مع سوريا؛ عزل دمشق وتطويقها عربيا ودوليا وتعريضها لضغط عسكري إسرائيلي متواصل؛ الحؤول دون المصالحة الوطنية بين فتح وحماس؛ توسيع إطار الأزمات الداخلية وإشعال بؤر التوتر في القرن الأفريقي وعلى ضفتي البحر الأحمر في مصر والسودان واليمن والصومال؛ ربط "الديموقراطية" الموريتانية بقاعدة عسكرية أميركية دائمة وعلاقات وثيقة أكثر مع إسرائيل؛ حمل المغرب والجزائر على الانخراط الصريح في برامج الدفاع الأميركية وفي الاقتراب أكثر من إسرائيل؛ الضغط المتواصل على الدول الخليجية للتطبيع الصريح مع الدولة العبرية؛ كبح الجموح الإيراني عبر التهديد العسكري وإثارة القوميات (تشجيع مجموعات متمردة في بلوشستان وكردستان الإيرانية وعربستان)؛ إثارة الأحقاد الفارسية ـ العربية والتلويح بخطر سيطرة الفرس على العرب؛ إشغال تركيا بالدفاع عن وحدتها الوطنية في مواجهة قضايا الأرمن والأكراد وتركمان العراق وقبرص وربما قضايا أخرى من بعد.
وسط هذه الفوضى "الوقائية" يمكن فعلا البحث في إمكانية تفادي هزيمة أميركية شنيعة والانسحاب من العراق شرط أن تبارك الدول العظمى هذه اللعبة. لقد باركت فرنسا وبريطانيا وبعض أوروبا لإستدراك هزيمة غربية محققة في الشرق الأوسط ما خلا روسيا بوتين التي ربما ترى أن عودتها مجددا إلى المسرح الدولي تمر بالشرق الأوسط تماما كما كان غيابها إثر فشل الغزو السوفييتي لأفغانستان.